"علينا أن نعمل معاً على تجاوز الحساسيات الطائفية والمذهبية التي انبعثت على نحو لم تشهده البلاد من قبل، وحماية أنفسنا من تكرار التجارب المأسوية التي عشناها على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وذلك بعودتنا جميعاً الى الدولة وبشروط الدولة، لا بشروط طائفة أو حزب".
"ان الشيعي هو الوحيد" الذي ليس لي معه "مشكلة" خلافاً لـ"السني الذي شتمني عندما دعمت المقاومة(…). ان المستهدف هو سلاح حزب الله الذي لغاية اليوم لم يشترك في الصراعات المحلية"!
موقفان متناقضان بشكل كامل صدرا في 5/11/2010. الاول، فاح عبيره عن اللقاء المسيحي "الآذاري" والوسطي الذي احتضنه الصرح البطريركي، وشدد في بيان حمل عنوان "نداء من اجل لبنان" على التمسك بثوابت بكركي التاريخية. والموقف الثاني اوبأ به الاجواء النائب ميشال عون خلال زيارته لجمعية "المرسلين اللبنانيين الموارنة" في جونية.
يبدو ان الجنرال عون لا يريد ان يضع حدا للتدهور السريع الذي تعاني منه صحته الشعبية في المجتمع اللبناني والمسيحي على وجه الخصوص. فبعد حروبه العبثية التي احرقت البلاد وشرّدت المسيحيين بين مهاجرين ومهجّرين، وبعدما نجح في اخذ بعض المسيحيين بعيدا جدا عن خياراتهم وثوابتهم الوطنية والتاريخية بتحالفه مع مشروع الدويلة، ها هو ينحدر الى اعتماد خطاب طائفي مكروه وممجوج ومثقل بالمغالطات والشحن الطائفي، خطاب من شأنه ان يزرع الحقد والكراهية بين ابناء الوطن الواحد، بدءا من المسيحيين المقسومين بين من جعلهم العماد عون يكرهون الطائفة السنية، وبين من هم خائفون من التغيرات الآتية مع تهديدات دويلة "حزب ولاية الفقيه".
ايها الجنرال، ان الشيعة في لبنان لا يختصرون بـ"حزب ولاية الفقيه" وان احتكر الأخير قرارهم رغبا ورهبا، فقسم كبير من الطائفة الشيعية لا ينتمون الى "الحزب" ولا الى "الحركة"، بل هم كقوى "14 آذار" يريدون السيادة والحرية والاستقلال والمحكمة الدولية والدولة والطائف… ولكنهم لا يجاهرون بمعتقداتهم السياسية خوفا من قوى الامر الواقع المسلحة وغياب مظاهر الدولة وسيادتها عن مناطقهم.
ثم ان نظرية "ولاية الفقيه" التي ابتدعها الخميني، لا تلقى التأييد لدى معظم رجال الدين الشيعة العرب، واذا كان من حق الحزب الذي تتحالف معه ان يؤمن روحيا بـ"ولاية الفقيه"، فليس من حقه بالتأكيد ان يربط لبنان بمشاريعها التوسعية في المنطقة.
نعم، امر طبيعي ان لا يكون لديك مشكلة مع "حزب ولاية الفقيه" الذي منحت مشروعه الفئوي غطاء مسيحيا منذ عام 2006؛ أليس سلاحه "المقاوم" من اهداك حصة وزارية دسمة لا تستحقها، فضلا عن توزيره اقاربك الراسبين في الانتخابات؟!
كلا يا جنرال، ان "السني" لم يشتمك عندما دعمت ما يسمى "المقاومة"، بل انتقدتك احزاب وتيارات سياسية سيادية واستقلالية تنتمي الى حركة سياسية عابرة للطوائف نجحت في طي صفحة الماضي بدمائه وآلامه ومآسيه من اجل مستقبل موحّد واعد، انتقدَتْك على خيار سياسي خاطئ اتخذتَه بتحالفك مع تنظيم مسلح خارج على الشرعية اللبنانية، يعمل على تنفيذ مشروع شمولي عابر للحدود ومناقض للصيغة اللبنانية، وهو لا يتورّع عن توجيه سلاحه الى صدور اللبنانيين لفرض وصايته على قرارهم وتعطيل مؤسساتهم الديمقراطية والدستورية عند كل استحقاق دستوري تواجهه البلاد، وهو ما نراه اليوم بالنسبة للمحكمة الدولية.
ألم تقرأ ما صرّح به احد الجنرالات المتقاعدين المحسوبين على حلفائك، عندما حدّد لكل منطقة في لبنان المدة الزمنية التي يحتاجها حزبه لاحكام السيطرة عليها حال صدور القرار الظني المرتقب؟
عن اي مقاومة تتحدث ايها الجنرال، أعن مقاومة 1/6/2006 التي اجتاحت المناطق اللبنانية على خلفية عرض إحدى المحطات برنامجا فكاهيا تناول شخصية أمين عام "حزب ولاية الفقيه"؟ ام عن مقاومة احتلت وسط بيروت التجاري مدة 16 شهرا تقريبا؟ ام عن مقاومة اليومين الاسودين في 23و25/1/2007، ام عن مقاومة 27/1/ 2008 في مار مخايل، ام عن مقاومة 7و11ايار2008 في بيروت والجبل، ام مقاومة 28/8/2008 في "سجد"، ام مقاومة 28/6/ 2009 في عائشة بكار، ام مقاومة 24 /8/2010 في برج ابي حيدر، ام مقاومة 27/10/2010 المتخصصة باقتحام عيادات الطب النسائي في الضاحية؟! أليس من ارتكب كل هذه الآفات هو "حزب ولاية الفقيه" الذي "لغاية اليوم لم يشترك في الصراعات المحلية" على حد زعمك؟!
ايها الجنرال، لقد آن اوان نبذ الخطاب الطائفي والعودة الى ثوابت الكنيسة الوطنية والتاريخية. فالرأي العام اللبناني بشكل عام والمسيحي بشكل خاص، يتابع بقلق شديد الاخطار المحدقة بالكيان اللبناني وتغير ملامح وجه لبنان، كما تؤرّقه الحوادث الارهابية المذهبية والطائفية التي يشهدها العراق، وكان آخرها تفجيرات كنيسة "سيدة النجاة" في بغداد. والشعب اللبناني برمته قد ضاق ذرعا بالخطاب الطائفي والتخويني، وبمنطق الاستقواء على الدولة وتجاوز مؤسساتها وفرض ارادة الرأي الواحد عليها، وهمه الشاغل مد اليد الى شركائه في الوطن من اجل العمل معاً لانقاذ لبنان من الاخطار، وتجاوز الحساسيات الطائفية والمذهبية، والعودة الى مشروع الدولة الذي يحمي الجميع. فحبذا لو يكون خطابك السياسي منسجما مع هذا التوجه، ولا اظن ذلك يتحقق الا اذا تخلينا عن اطماعنا الشخصية وتذكرنا ان لبنان وطننا جميعا، ونحن له جميعا مسلمون ومسيحيون.