الرواية هي عمل فني يعتمد على عنصر الحكاية، أو هي نوع من أنواع سرد القصص بشكل مشوَق يجذب القارئ أو السامع من خلال توالي الأحداث وتأزيم الصراع، حتى تصل العقدة الى خواتيمها. والنهاية أمَا أن تكون معقولة في حل مكشوف، أو أيحائية بحيث يلقي الروائي المشكلة على عاتق القارئ لكي يبحث عن حلَ لها. وأهم عناصر الرواية البطل، وهو الشخصية المحورية التي تدور حولها الأحداث. ويمكن أن يكون البطل من نسج خيال الروائي، كما يمكن أن يكون الروائي نفسه هو البطل.
أما أشهر أنواع الرواية، فهي الرواية الواقعية التي تستمدَ أحداثها من مجريات الواقع المعاش أو مما يمكن أن يقع ويتقبَله العقل، والرواية الخيالية التي تقوم على مادة يختلقها المؤلَف، وينسج أحداثها بأسلوب مشوَق يعتمد على الوصف والسرد والتفصيل، ويحمَلها اسقاطات لتوقَعات قد تتحقق وقد لا تتحقق.
ما دفع بي الى هذه المقدَمة التي استعرضت فيها مفهوم الفن الروائي، هو ما سمعته على ألسن المتعاطين بالسياسة عندنا في أطلالاتهم. فالمتتبَع للطريقة التي استخدموها في أحاديثهم، لا بدَ له من ملاحظة الأسلوب الروائي الذي ساد الكلام. لقد كانوا ناجحين في تصوير الأحداث وتنمية الصراع وتشبيك الحبكة وتحريك المشاعر، فرأيت فيهم صورة نجيب محفوظ أو يوسف السباعي أو توفيق يوسف عواد. واذا اردنا أن ننصفهم فعلا، فعلينا أن نرشَحهم لحيازة دبلوم في الفن الروائي على مستوى الأسلوب الذي وفَوه حقَه.
أما في المضمون، فيمكن أن ننسب المتن الى الرواية الخيالية. انَ أوَل ما يتبادر الينا هو فقدان الموضوعية من سياق الكلام،على مختلف أقسامه. فالرواة " الابطال" لم يكونوا حياديين، بمعنى أنَهم لم يستعرضوا الأحداث بشكل تقريري بل كأطراف. فتمَت الأضاءة على سلبيَات الآخرين فقط، وتضخيمها، وجعلها تطغى على كلَ ما جاورها من أفكار، وكأنَهم بذلك أرادوا أن يلفتوا أنتباه السامع اليها من دون سواها، لحثَه على اتخاذ موقف عدائي منها ومن أصحابها.
العاهة الثانية التي برزت في الحكايات، هي فقدان الحجة، والذي يزعزع مصداقية الراوية نفسه. وهذا يعني أنَ الحديث برمَته كان مجرد سرد قصصي "مشوَق"، ولكنه يفتقر الى الأقناع العقلي الذي ترسَخه الأدلَة الدامغة والبراهين. فالكلام، وان صدر عن أنسان ذي أهميَة، لا يمكن الأعتداد به أذا لم يكن مدعوما بالشواهد. وبالتالي فهو يشبه الى حدَ بعيد أقاصيص الحكواتية المسليَة. ولا يوفَي الشروط التي حدَدها ابن خلدون عندما تحدَث عن مغالط المؤرَخين والرواة. والخطير في هذا المجال، أنَ الحديث يدور حول الحالة السياسية المأزومة في البلاد وتداعياتها السلبية، أي ما يتعلَق بمصير الناس جديَا. فهل يمكن التعاطي مع هذه القضية المحورية بمثل هذا الأبتذال؟
اما العاهة الثالثة، فهي سيادة الخرافة في المضمون، والمتبديَة في مجموعة المزاعم والتوهمات التي يدمنها متتبعو المسلسلات المملة التي تنسج قصصا لامعقولة، ما يذكَرنا بالحديث عن العنقاء والتنَين. وهذا يعني اننا لسنا ملزمين بتصديقها والتسليم بمحتوياتها، بل بالتفكَه بها ليس الاَ. وقد حدَد "لسان العرب" هذا النوع من الكلام بأنَه "حديث مستملح من الكذب". فأقلَ ما يوصف به هذا النوع من الكلام هو أنَه ضرب من الأباطيل، حتى ولو كان أصحابه "انصاف آلهة ".