قال الشهيد رفيق الحريري في خلال اجتماع المجلس الاعلى للدفاع في الثاني من اب 1993 تأييدا لكلام الرئيس المغفور له الياس الهراوي مترئس الجلسة: "… ان الحكومة مستعدة لان تتحمل مسؤولية المقاومة شرط الا تشط وان تبقي اهدافها في حدود مصالح الدولة بلا اي توريط …"، (من كتاب صديق "حزب الله" الاستاذ كريم بقرادوني – "صدمة وصمود" – الصفحة 24-25 )، فما اشبه الامس باليوم وكم كانت رؤية الرئيس الشهيد صائبة واستشراقية للمستقبل… فها هي المقاومة "تشط" وتتغطرس… لان "حزب الله" اختصرها واحتكرها على نموذحه وقياس مصالحه هو وليس قياس مصالح الوطن والشعب… كل الشعب…
فالنهج السياسي الذي يعتمده "حزب الله" اليوم ومعه حلفاؤه نهج خارج كليا عن طبيعة وجوهر واهمية مهام المقاومة اللبنانية الحصرية بمصالح لبنان وشعبه ودولته – بحيث ان هؤلاء باتوا يعتبرون ان السلاح غير الشرعي في يدهم بات مساويا ان لم يكن يفوق قيمة واهمية قيمة الوطن وضرورة بقائه – فـ"حزب الله" وفريقه السياسي اخرج ويخرج كل يوم نفسه من المعادلة اللبنانية مفضلا التضحية بالوطن على التضحية بالسلاح او لنقولها على شرعنة سلاحه بوضعه تحت امرة الدولة.
وفي هذا الاطار نود التوقف عند الملاحظات الاتية:
اولا: كما في 7 ايار اتخذ الحزب من بعض القرارات الحكومية الصحيحة في مضمونها والسيادية الاهداف انذاك حجة للنزول الى الشارع واشعال فتنة لم تكن لتحمد عقباها – كذلك اليوم فإن "حزب الله" يتخذ من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ومن قرار ظني "شبح" ذريعة لضرب الدولة والهجوم على مقومات العيش المشترك وضرب الطائف والاطاحة بالصيغة اللبنانية الفريدة – من خلال تجييش رأيه العام وحلفائه على اعتبار المحكمة الدولية مؤامرة اميركية – صهيونية وعلى اعتبار ان القرار الظني العتيد مشروع حرب معلنة على "حزب الله". والاخطر من ذلك، تهديد ووعيد فريق كبير من اللبنانيين إن صدر القرار متهما عناصر من حزب الله بالضلوع في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وسائر شهداء ثورة الارز – فقيادة "حزب الله" تعتبر ان حقها مضمون في استباحة البلد في اي وقت للسيطرة على لبنان واسكات الخصوم السياسيين.
فهذا النمط في الرؤية بحد ذاته مناقض لميثاق العيش المشترك ولجوهر التسامح والتفاعل الحضاري بين اللبنانيين الذي كان اساس قيام لبنان وضرب لاركان وحدة الشعب والمؤسسات والدولة والارض – بمجرد ان يفكر الحزب بحسم ميداني وبانقضاض على الخصوم ردا على اي قرار اتهامي فضلا عن كونه مناقضا لاتفاق الدوحة وتعهدات الحزب بعدم اللجوء الى السلاح في الداخل…
ثانيا: ان "حزب الله" وحلفاءه يعتبرون سلاحهم اكبر من لبنان – وهم لا يتوانون عن ايصال الوضع الداخلي الى شفير الهاوية والانفجار، ولو كلف ذلك اسقاط الثوابت الوطنية التاريخية وضرب فريق لبناني واسع لاخضاعه والاستيلاء على البلد. فاخطر ما يرتبه السلاح غير الشرعي استسهال حامليه والقيمين عليه استعماله في اي وقت وضد اي لبناني شريك مفترض في الدولة من اجل الدفاع عن السلاح، بعدما كانت المعادلة الاساسية حمل السلاح للدفاع عن لبنان.
فمن قال لـ"حزب الله" ان سلاحه الموجه ضد اللبنانيين سلاح مقاومة؟!
ومن قال لـ"حزب الله" ان اللبنانيين ضد سلاح المقاومة في وجه المحتل؟!
ومن قال لـ"حزب الله" ان المستهدف هو السلاح الذي يردع اسرائيل؟!
واكثر من ذلك نسأل: من قال ان اتهام بعض عناصر الحزب (وليس الحزب) تهديد للمقاومة … واي مقاومة تلك التي تحمي مجرمين اذا ثبت بالدليل القاطع والحسي وغير القابل للنقاش او الشك انهم كانوا متورطين في اغتيال الرئيس الشهيد ورفاقه وشهداء ثورة الارز؟؟؟
التزوير التاريخي الكبير الذي يحصل اليوم هو في "البروباغاندا" التزويرية التي تحاول حملات "الحزب" وحلفائه من خلالها ايهام الرأي العام اللبناني والعربي والاسلامي ان فريقا لبنانيا واسعا يتـآمر مع الغريب والمجتمع الدولي للقضاء على سلاح ردع اسرائيل… وهذا تزوير للحقائق وفضيحة اعلامية – سياسية مكشوفة.
فما يريده اللبنانيون ان يبقى السلاح المقاوم لاسرائيل موجودا تحت امرة الدولة اللبنانية وللدفاع عن الدولة ليس اكثر. فهل وضع السلاح تحت امرة الشرعية اللبنانية تأمر ؟؟؟
وهل تقوية وتعزيز الجيش والقوى الامنية الشرعية بهذا السلاح خيانة؟!
وهل المقاومة اهم من لبنان او ان لبنان اهم من المقاومة؟!
وهل المقاومة بتصرف لبنان ام ان لبنان بتصرف المقاومة؟!
اسئلة محورية نطالب الحزب وحلفاءه الاجابة عليها فورا على طاولة الحوار كما على طاولة مجلس الوزراء وفي المجلس النواب – كي تفتضح على ضوئها حقيقة خلفيات الهواجس والقلق من المحكمة الدولية والقرار الاتهامي "الشماعة" التي تخفي ما هو ابعد من مجرد قلق وتوجس من اتهام عناصر من الحزب – علما ان مثل هذا القرار كما بات معلوما قانونيا واجرائيا لا يدين احزاب ودول او حكومات بل فقط اشخاص، وعلما ان المبادرة السورية – السعودية لن تستطيع وقف المحكمة الدولية وتغيير او تأخير قناعات القاضي بلمار او تأخير او تعديل القرار الاتهامي العتيد – بل في احسن الاحوال ستعمل على تأمين شبكة امان تقي لبنان الحد الاقصى من تداعيات القرار عند صدوره…
فالتزام "حزب الله" وحلفائه بالنظام اللبناني يرتب على "حزب الله" التزام بالعمل على اساس ان الشريك الاخر ليس عدوا له وعلى اساس ان في لبنان لا يمكن ان يصح الا مبدأ "لا غالب ولا مغلوب"ـ تماما كما في اعقاب الثورة المضادة لثورة 1958 التي انهت صراعا داخليا دمويا ومريرا بين اللبنانيين من دون تفوق فريق على اخر رغم الخلل في موازين القوى الداخلية والاقليمية والدولية. فـ"حزب الله" الذي يؤكد التزامه بنهائية الوطن عليه ان يلتزم بما يترتب على هذه النهائية من احترام لهواجس وقلق الشريك الاخر سواء اكان مسلما او مسيحيا لان الانصهار المفضي الى العيش المشترك لا يؤدي الى اعتبار لبنان وطنا نهائيا لاي فريق يشعر بأنه مهدد من جانب الاخر ولو بالواسطة بسلاح فقد مصداقيته عند قسم كبير من الشعب اللبناني كما عند قسم كبير من الرأي العام العربي والاسلامي منذ 7 ايار والى اليوم…
من هنا فإننا وكما يريد "الحزب" منا ان نتفهم قلقه ومخاوفه من استهدافه في قرار اتهامي دولي – كذلك عليه ان يتفهم ويحترم قلق الشريك الاخر في الوطن من استمراره في حمل سلاح غير شرعي والتهديد به لان الحزب اليوم فقد بفعل هذا السلاح الاجماع الوطني حوله. ما يعني ان ثمة فريقا كبيرا من اللبنانيين لم يعد يرى في السلاح غير الشرعي الا مصدر تهديد وجودي له، ما يبرر اكثر فاكثر اللجوء الى القضاء الدولي والى المحكمة الدولية والى اي مرجع اممي اخر والتشدد في تأييد مشروع الدولة وتقويتها والعمل على النهوض بها – لايجاد الرادع الذي يحفظ ارواح اللبنانيين من اي اغتيالات او سوء استخدام لهذا السلاح… والذي يحمي اللبنانيين من شر السلاح المنفلت من عقاله على مساحات مربعات امنية وكيان منفصل ضمن الدولة عن الدولة…
ثالثا: بمجرد ان يرتضي "حزب الله" لنفسه ان يكون سلاحه موضوع قسمة اللبنانيين فيما بينهم وموضوع خلافي، فهذا يعني ان الحزب لم يعد يريد من يقنع الاخرين به بل اصبح يقبل بدور الفصيل اللبناني الداخلي الذي شق الصفوف اللبنانية وتسبب في الاصطفاف العمودي والافقي الحاصل اليوم في البلد، وبالتالي ابتعد الحزب عن العيش المشترك… وابتعد بالتالي عن مضامين والتزامات اتفاق الطائف وتكوين الصيغة التعددية… واهمها احترام الراي الاخر والتفاعل مع الرأي المخالف لا قمعه وتخوينه وتهديده…
رابعا: فنهائية الوطن نقيض ما يفعله الحزب وحلفاؤه اليوم بحق فريق واسع من اللبنانيين بفضل سلاحه الغاصب من خلال اتخاذه بلدا ودولة وشعبا وحكومة ومؤسسات رهائن لحربه على المجتمع الدولي ولتحالفه المقدس مع ايران وسوريا في مواجهة العالم… خدمة لمصالح محور وليس مصالح لبنان…
فمنطق بناء دولة على فكرة السلاح الفئوي الذي يحاول اظهار نفسه حامي للجميع من دون تمييز… وفكرة بناء اقتصاد على فكرة السلاح الفئوي… وفكرة بناء وطن ودولة على فكرة السلاح الفئوي… نماذج تنطبق في دول ذات انظمة شمولية ودكتاتورية تأتمر بالزعيم او القائد وتسير شعوبها خلفه بأمر السلاح اما بدافع عقيدة سياسية او معتقد ديني – لا في بلد كلبنان حيث لا تطمئن فئة الى دورها وحمايتها الا من خلال مشاركتها في قرارات الحرب والسلم وتسليم القوى الشرعية زمام الامن والدفاع وحماية الوطن والمؤسسات والسيادة – لان في الدولة تجسيد لفكرة الشراكة الوطنية الحقيقية وتجسيد لفكرة حماية الدولة للجميع … ومن الجميع …
فهل يكون "حزب الله" بصدد نعي انخراطه في الصيغة اللبنانية؟!
وهل الهمس الكواليسي بالمثالثة بداية افهام الاخرين بأن وقت تعديل "الطائف" حان … ووقت تغيير النظام معه بفعل قوة السلاح؟!
ما هو اكيد ان الحزب وحلفاءه باتوا في المقلب الاخر من الوطن وفي المقلب الاخر من نهائيته… وفي المقلب الاخر من سلاح نظيف ظنه اللبنانيون يوما انه كان في خدمتهم… حصريا… وقد تبين ان السلاح بالنسبة لـ"حزب الله" اهم من وطنهم…
