#adsense

مقاومة الأرز

حجم الخط

نشرت "الجريدة" نقلاً عن Foreign Policy: يعتقد المسؤولون الأميركيون أن "حزب الله" سيقوم بكل ما في وسعه ليحول دون صدور القرار الظني، ولا شك أن خطر الحرب بات واضحاً، وإذا أقدم "حزب الله" وراعيته إيران وحليفتها سوريا على الإطاحة بالحكومة المنتخبة وسيطروا على لبنان، فسيمثل ذلك ضربة قاسية لأمن الولايات المتحدة ومصداقيتها في أنحاء العالم المختلفة.

قبل بضع سنوات، بدا أن السياسة الخارجية الأميركية حققت نجاحاً كبيراً في لبنان، فقد ثار الشعب اللبناني غضباً بسبب جريمة الاغتيال الوحشية التي رُجح آنذاك أن تكون سوريا وحلفاؤها قد نفذوها عام 2005 للإطاحة برئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. فبدعم من المجتمع الدولي، نجح اللبنانيون في إخراج القوات السورية من لبنان وتأكيد السيادة اللبنانية للمرة الأولى منذ عقود، وفي عام 2009، برهن اللبنانيون مرة أخرى على دعمهم التحالف الحاكم الموالي للغرب بمنحه الأغلبية الساحقة من مقاعد مجلس النواب خلال انتخابات شهر أيار.

لكن هذا البلد يواجه اليوم أزمة مخيفة، فقد عجز الائتلاف الحاكم في لبنان المعروف بتحالف "14 آذار"، عن العمل بما يتلاءم مع تفويضه الشعبي بسبب القوة المهيمنة لـ"حزب الله"، الذي تموله إيران وسوريا وتدربانه وتسلحانه، لكن اللوم لا يقع على عاتق "حزب الله»" وحده، بل تتحمل السياسة التي تعتمدها الولايات المتحدة في تعاملها مع لبنان جزءاً كبيراً من اللوم، لأنها غير مستعدة لتدعم مواقفها الجريئة بالأعمال. فلم تخفق الإدارات الأميركية المتعاقبة في حماية حلفائها وتخذل الحكومة الموالية للغرب فحسب، بل مكنت أيضاً ألد أعدائها.

ستنفجر هذه المواجهة، التي تشتغل ببطء، بسبب المحكمة الخاصة بلبنان المكلفة بمحاكمة قتلة الحريري، فمن المتوقع أن تصدر هذه المحكمة، التي أُنشئت باتفاق بين مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والحكومة اللبنانية، قراراً ظنياً يشمل أعضاءً من "حزب الله" في الأشهر المقبلة. وكما أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" يوم الاثنين، قد توجّه المحكمة تهماً إلى نحو ستة أعضاء من "حزب الله" بحلول نهاية السنة، منهم مصطفى بدر الدين، قائد عسكري بارز في الحزب، وصهره الغني عن التعريف، عماد مغنية، الذي كان أحد أبرز العقول المخططة في "حزب الله".

في محاولة لاستباق ما قد يُشكل صفعة قوية لهذا الحزب، شن الأمين العام لـ"حزب الله"، حسن نصرالله، حرباً على المحكمة، ويعتقد المسؤولون الأميركيون أن "حزب الله" سيقوم بكل ما في وسعه ليحول دون صدور القرار الظني، ولا شك أن خطر الحرب بات واضحاً، وإذا أقدم "حزب الله" وراعيته إيران وحليفتها سوريا على الإطاحة بالحكومة المنتخبة وسيطروا على لبنان، فسيمثل ذلك ضربة قاسية لأمن الولايات المتحدة ومصداقيتها في أنحاء العالم المختلفة.

كذلك، سيعزز هذا التطور نفوذ إيران ومصداقيتها، وفي هذا السياق كان فريد هوف، مساعد المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل والمسؤول عن السياسة الأميركية-السورية، قد قيَّم علاقة "حزب الله" بإيران بكل صراحة خلال محاضرة ألقاها في معهد الشرق الأوسط، فيما كان الصراع دائراً بين إسرائيل و"حزب الله" عام 2006، مشيراً إلى أن: "نصر الله والأوساط المقربة منه في المقام الأول يسعون إلى الدفاع عن وجود جمهورية إيران الإسلامية وقوتها وتعزيز نفوذها، سواء كان معظم أعضاء هذه المنظمة يدركون ذلك أم لا، وسواء كانت الأغلبية الشيعية في لبنان تعي ذلك أم لا".

لا شك أن تنامي النفوذ الإيراني في لبنان خطر اليوم، لأن البلدان العربية المعتدلة تتطلع راهناً إلى الولايات المتحدة لاحتواء إيران، ويتساءل حلفاء الولايات المتحدة العرب: "كيف يُتوقع منهم احتواء الملالي بعد حصولهم على القنبلة، في حين أن قوة عالمية عظمى عجزت عن كبح لجامهم قبل أن يطوروا سلاحاً نووياً؟"

لا يسعنا إلا أن نلوم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس على الوضع الحرج الذي يمر به لبنان. أرادت إدارة بوش تصوير لبنان كمثال يؤكد نجاح سياستها في الشرق الأوسط. فقال بوش في نيسان عام 2006: "فرحنا كثيراً بثورة الأرز. نُدرك أن نزول مئات الآلاف إلى الشارع ليعبروا عن رغبتهم في التحرر تتطلب الشجاعة، ونحن ندعم رغبة شعب في حكومة تتفاعل مع حاجاته، حكومة حرة حقاً". ولكن عندما حان الوقت للقيام بخطوات ملموسة، لم يساعد الرئيس الأميركي حلفاءه اللبنانيين حين كانوا بأمس الحاجة إليه.

حلت اللحظة الحاسمة في السابع من أيار عام 2008، فعندما شعر "حزب الله" أن الحكومة تتحرك لتضبط شبكة الاتصالات غير المشروعة الخاصة به، غزا الشوارع في بيروت والشوف جنوباً، مرغماً القادة اللبنانيين المنتخبين ديمقراطياً بقوة السلاح على القبول باتفاق لتشاطر السلطة. وكانت النتيجة هزيمة أخرى من هزائم إدارة بوش، التي عبرت عن موافقتها على "اتفاق الدوحة"، الذي وُقّع في 21 أيار من تلك السنة ومنح "حزب الله" حق عرقلة قرارات الحكومة، بما فيها نزع سلاحه.

ولكن إذا كانت إدارة بوش قد فتحت الباب أمام "حزب الله" ليستولي على لبنان، وتبقي إدارة الرئيس باراك أوباما الباب مفتوحاً على مصراعيه، فهي لا تبذل مجهوداً يُذكر لدعم حلفائها اللصيقين في تحالف "14 آذار»"، خوفاً من أن تزعزع هذه الخطوة أي فرصة لها للتقرب من سوريا.

في رسالة مؤرخة في الثامن عشر من تشرين الأول، احتج عضوا الكونغرس غاري أكرمان،(ممثل نيويورك الديمقراطي) رئيس لجنة الشؤون الخارجية الفرعية للشرق الأوسط وجنوب آسيا في مجلس النواب، ودان بورتون (ممثل إنديانا الجمهوري)، أحد أعضائها، بسبب غياب الدعم الأميركي للعناصر المعتدلة في لبنان. فكتبا: "نشعر بالقلق من أن استراتيجية الانفتاح الدبلوماسي على الأنظمة العدائية، التي نعتمدها، لم تحرك عملية السلام في الشرق الأوسط، بل قللت من قوة أصدقائنا وحلفائنا الديمقراطيين".

تصب الإدارة اهتمامها على التواصل مع دمشق، إلا أنها لم تقدم أي دلالات على أن لصبر الولايات المتحدة حدوداً، ففي زيارة قام بها مساعد وزيرة الخارجية الأميركية، جيفري فيلتمان، هذا الشهر إلى سوريا، أشار إلى أن التحسن الطفيف في العلاقات السورية- الأميركية "لا يمكن أن يتقدم بسرعة مادام أصدقاء سوريا يزعزعون استقرار لبنان". غير أن النظام السوري لم يعرب عن أي نية له في الالتزام بهذا الشرط. نتيجة لذلك، بات من المهم اليوم أن تبدل الولايات المتحدة المسار الذي اتبعته خلال السنوات الماضية، وتتصرف بحزم لمساعدة الشعب اللبناني على إعادة تأكيد حقه في تقرير مصيره، لأن المصلحة الوطنية الأميركية تتمثل في احتواء طموحات إيران التوسعية وتفادي منح الشرعية لأتباعها.

يجب على إدارة أوباما أن تقرر الوقوف في وجه "حزب الله" وتقود الغرب في برنامج غايته تمكين المجتمع المدني اللبناني ومساعدة القوى الديمقراطية الكامنة في هذا البلد. فهؤلاء هم اللاعبون الشجعان الذين يتحلون بقدرة مثبتة على شن حملات سياسية وإعلامية ناجحة لفضح محور سوريا وإيران و"حزب الله"، والذين استهدفهم "حزب الله" في شهر أيار عام 2008 لأنهم فاعلون. فمن الضروري أن يدرك الشعب اللبناني أن رئيس الولايات المتحدة يدعم سعيه وراء الحرية والديمقراطية.

علاوة على ذلك، يلزم أن يلتفت أوباما إلى وسائل الإعلام الموالية للديمقراطية، التي أُسكتت السنة الماضية، لا بسبب تهويل "حزب الله" ومؤيدي إيران وسوريا فحسب، بل أيضاً بطلب من المملكة العربية السعودية التي ظنت خطأ أن بإمكانها إخراج سوريا من دائرة النفوذ الإيراني. فقد تبين أن هذه الاستراتيجية فاشلة، تماماً مثل محاولة الولايات المتحدة التقرب من سوريا. تستطيع إدارة أوباما المساهمة في إطلاق يد أولئك الوطنيين اللبنانيين الذين تشكل أصواتهم الشجاعة أول خط دفاع في وجه أي خطوة قد يقدم عليها "حزب الله".

كذلك، على إدارة أوباما أن تحرص على مواصلة المحكمة الخاصة عملها، مُحاكمةً مَن توجه إليهم التهم، ولا شك أن العشرة ملايين دولار التي خصصتها الولايات المتحدة للمحكمة خطوة تستحق الثناء، إلا أنها ليست كافية، فباستثناء وقف سعي إيران لتطوير أسلحة نووية، ما من مشكلة تتطلب الاهتمام الدولي بقدر جهود الجمهورية الإسلامية لتوسيع رقعة نفوذها في المنطقة.

يجب أن تكون الولايات المتحدة راغبة في العمل مع حلفائها في أوروبا والشرق الأوسط لتدعم العناصر الديمقراطية المستعدة لإنقاذ وطنها، ولن تكون هذه سياسة سهلة. فقد تتطلب اتخاذ قرارات صعبة للتخلي عن قوى وبرامج فشلت في احتواء "حزب الله"، أو قد تستلزم إصلاحات عميقة، ولكن ألسنا مرغمين في شتى الأحوال على اتخاذ خيارات صعبة؟

إذا دافعت إدارة أوباما بجرأة عن استقلال لبنان، فسيتبين لها أن شخصيات كثيرة في بيروت والدول الأخرى التي يهمها استقرار لبنان ستحذو حذوها.

ولكن مهما كانت الأساليب التي تتبعها، فعلى الإدارة أن تُظهر بوضوح أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة اليدين فيما تنقل إيران، من خلال حليفيها "حزب الله" وسوريا، الثورة الإيرانية إلى لبنان. تحدث أوباما ببلاغة عن الحاجة إلى دعم الديمقراطية والتسامح في الشرق الأوسط، ولكن حان الوقت اليوم لاتخاذ القرارات، وآن الأوان ليقرن الرئيس أقواله بالأفعال.

المصدر:
الجريدة الكويتية

خبر عاجل