#adsense

عوامل داخلية وخارجية أحبطت خطط خصوم العدالة

حجم الخط

"حزب الله" والمحكمة: الحسابات الخاطئة والخسائر
عوامل داخلية وخارجية أحبطت خطط خصوم العدالة

"خاض "حزب الله" معركته القاسية مع المحكمة الخاصة بلبنان المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية أخرى وهو واثق من النصر ومن تحقيق المكاسب اذ انه أغلق منذ البداية الباب أمام أي تسوية محتملة مقبولة لدى مختلف الأفرقاء المعنيين بالأمر للمشكلة الخطرة التي يمكن أن تنتج من صدور قرار ظني قد يتهم عناصر من الحزب بالتورط في هذه الجريمة السياسية – الارهابية الكبرى. وأراد "حزب الله" أن يفرض الحل الذي يلائمه ويلائم حلفاءه والقاضي بوقف عمل المحكمة ومنع صدور القرار الظني، وسعى من خلال هذه المعركة الى أن يظهر سطوته واتساع نطاق نفوذه وقدرته على تغيير الوقائع بل الحقائق وموازين القوى في لبنان لمصلحته ومصلحة حلفائه المحليين والاقليميين وليس الاكتفاء باسقاط المحكمة. لكن هذه المعركة أظهرت أن دور "حزب الله" محدود وانه عاجز عن فرض الحل الذي يريده وانه يستطيع ممارسة سطوته على قاعدته الشعبية وعلى حلفائه ولكن ليس على الأفرقاء الآخرين ولو امتلك السلاح، كما أظهرت أن الحزب ليس قادراً على انهاء دور الغالبية النيابية والشعبية أو تقليص هذا الدور أو تغيير موازين القوى لمصلحته والتصرف بالبلد كما يريد. وتبين أن الحزب ليست لديه القدرة على احداث أي تغيير لمصلحته في مواقف أي دولة عربية وأجنبية خارج اطار المحور السوري – الايراني. ومن المتوقع أن يخرج "حزب الله" من هذه المعركة أكثر ضعفاً وليس أكثر قوة مما كان قبل اطلاقه عملية اسقاط المحكمة".

هذا هو تقويم مسؤول أوروبي بارز زار بيروت ودمشق أخيراً للواقع الصعب الذي يواجهه "حزب الله"، استناداً الى مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع في باريس. وأوضحت المصادر "ان ما دفع "حزب الله" الى الانطلاق بمعركته مع المحكمة من دون اجراء تقويم صحيح ودقيق لموازين القوى المختلفة ولامكانات الربح والخسارة هو قلقه الكبير وقلق حلفائه الاقليميين من مضمون وتداعيات قرار ظني يصدره المدعي العام الدولي دانيال بلمار وقد يتهم عناصر من الحزب بالتورط مع آخرين في جريمة اغتيال الحريري بناء على أدلة وقرائن صلبة وقوية وقاطعة. وما حدث ان "حزب الله" فوجئ بصلابة موقف رئيس الحكومة سعد الحريري والاستقلاليين وتمسكهم مع الغالبية الكبرى من اللبنانيين بالمحكمة وبأهمية تحقيق العدالة، وفوجئ بأن خصومه ليسوا مذعورين منه ومن سلاحه، وفوجئ بالحماية الدولية الواسعة التي تتمتع بها المحكمة مما يحد من قدرة أي دولة أو جهة على الضغط عليها وعلى قضاتها، وفوجئ بعدم قدرة النظامين السوري والايراني حليفيه الأساسيين على تغيير الواقع المرتبط بالمحكمة لمصلحته ولمصلحتهما، وفوجئ برفض سائر الدول العربية والأجنبية البارزة والمؤثرة التخلي عن المحكمة والرضوخ له ولتهديداته، وفوجئ بالدعم الدولي والعربي الواسع للاستقلاليين وبعدم اهتمام سائر الدول المعنية بانزعاج دمشق وحلفائها من هذا الدعم. ولكن على رغم هذه الوقائع والحقائق فان "حزب الله" يواصل مع حلفائه وبوسائل مختلفة المعركة مع المحكمة ومع مؤيديها بقطع النظر عن النتائج والتداعيات".

اتهامات بلا أدلة

وفي رأي المصادر الأوروبية المطلعة التي تستند في تقويمها الى معلومات خاصة والى تحليل دقيق لسياسات "حزب الله" وتوجهاته وخططه، أن الحزب يتعامل مع المحكمة وما يرتبط بها بمنطق انقلابي مما يشكل تهديداً للسلم الأهلي، وان يكن ليس قادراً فعلاً على تنفيذ انقلاب عسكري وتسلم الحكم مع حلفائه. وقالت في هذا الشأن "ان "حزب الله" يتصرف بمنطق انقلابي اذ انه يتمرد على الدولة ومؤسساتها الشرعية من خلال التخلي عن التزاماته الرسمية لدعم عمل المحكمة ومطالبة الحكم بالاقتداء به، ومن خلال التهديد باقتحام المدن والمناطق والساحات والمواقع غير الموالية له ومحاصرة المؤسسات الرسمية لشل الحياة السياسية والدستورية لارغام أنصار المحكمة على التخلي عنها وهو ما لن يحدث. كما ان الحزب يتمرد أو ينقلب على صيغة المشاركة الوطنية في الحكم وعلى ميثاق العيش المشترك وعلى النظام الديموقراطي والدستور وعلى ارادة الغالبية الواسعة من اللبنانيين من خلال محاولة فرض مطالبه ومواقفه على الأفرقاء الآخرين بالقوة والضغوط والتهديدات المختلفة المتنوعة. والحزب ينقلب على اتفاق الدوحة الذي يحظر استخدام السلاح والعنف في الداخل ويتمرد على الشرعية الدولية والقانون الدولي من خلال سعيه الى وقف مسار العدالة الدولية ومطالبته الحكم اللبناني بدخول مواجهة مع الدول الكبرى ومع مجلس الأمن الذي يمثل الشرعية الدولية من أجل ارضاء الحزب وحلفائه".

وأضافت ان موقف "حزب الله" من المحكمة ضعيف وليس مقنعاً لأي دولة أو جهة محايدة أو لأي سلطة قضائية وذلك للأسباب الآتية:

أولاً – لم يقدم "حزب الله" دليلاً ملموساً واحداً مقبولاً قانونياً على أن المحكمة الخاصة بلبنان "مسيسة" وانها خاضعة للاملاءات الأميركية والاسرائيلية وهي التي أنشأها مجلس الأمن بقرار صادر استناداً الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والتي تلقى دعماً دولياً وعربياً واسعاً. فهذه المحكمة أصدرت منذ بدء عملها في آذار 2009 قرارين أساسيين فقط الأول هو الافراج عن الضباط اللبنانيين الأربعة الذين اعتقلوا صيف 2005 للاشتباه في تورطهم في جريمة اغتيال الحريري، وذلك لعدم وجود أدلة موثوق بها في حقهم، والقرار الثاني هو قبول النظر في طلب اللواء السابق جميل السيد الحصول على وثائق وشهادات من ملفات التحقيق الدولي يعتقد انه يستطيع أن يستخدمها ليحاول أن يثبت انه اعتقل مع الضباط الآخرين ظلماً. والقرار الأساس المنتظر صدوره عن المحكمة هو القرار الظني. وهذه الحصيلة ليست دليلاً على أن المحكمة خاضعة لـ"التسييس" وللاملاءات الأميركية والاسرائيلية.

ثانياً – لم يقدم "حزب الله" دليلاً واحداً على أن القرار الظني المتوقع صدوره يتضمن معلومات مضللة وخاطئة وانه يهدف الى ضرب المقاومة. ذلك ان القرار الظني لم يصدر حتى الآن ويستحيل تالياً معرفة مضمونه والاطلاع على الأدلة والقرائن والمعلومات والشهادات التي سيعتمد عليها المدعي العام الدولي لتوجيه الاتهامات الى أشخاص متورطين في جريمة اغتيال الحريري وربما في جرائم أخرى. كما ان مهمة المحكمة ليست ضرب المقاومة بل النظر في جرائم سياسية – ارهابية هزّت لبنان ومحاسبة المتورطين فيها استناداً الى أعلى المعايير القانونية. والمدعي العام الدولي سيأخذ من ملفات التحقيق الدولي ما يمكن اثباته بالأدلة والقرائن القاطعة وسيرفض الأخذ بشهادات مضللة أو معلومات خاطئة لأن ذلك يضعف القرار الظني ويسيء الى عمل المحكمة.

ثالثاً – لم يشرح "حزب الله" للبنانيين تفصيلاً وبدقة ومن خلال الأدلة والحجج المقنعة كيف أن القرار الظني سيشكل تهديداً للأمن والاستقرار في لبنان لدى صدوره. فاذا ما اتهم القرار الظني عناصر من الحزب وأشخاصاً آخرين بالتورط في جريمة اغتيال الحريري من دون وجود أدلة وقرائن ومعلومات صحيحة وقوية وصلبة، فان هذا القرار يسقط ولن تكون له قيمة. أما اذا استند القرار الظني الى أدلة وقرائن قوية وصلبة وقاطعة في توجيهه اتهاماته الى أشخاص معينين فان الرد الملائم عليه يكون في تكليف محامين مهمة الدفاع عن هؤلاء المتهمين أمام المحكمة وبالوسائل القانونية. ويصير أمن لبنان واستقراره مهددين فعلاً ليس نتيجة عمل المحكمة بل اذا أراد فريق ما الرد على القرار الظني بتفجير الأوضاع ومعاقبة المتمسكين بالعدالة فيتحمل هذا الفريق حينذاك مسؤولية تهديد البلد وأبنائه وليس القرار الظني في ذاته.

رابعاً – طرح "حزب الله" نظرية غير مقنعة مفادها عدم وجود اجماع وطني لبناني على المحكمة مما يتطلب تالياً في رأيه التخلي عنها. الواقع أن الاجماع الوطني اللبناني على دعم عمل المحكمة قائم وقد عكسته قرارات هيئة الحوار الوطني كما عكسه البيان الوزاري للحكومة الحالية الذي تم تبنيه في تشرين الثاني 2009 بموافقة "حزب الله" ولم يحدث أي تطور سلبي مذذاك في عمل المحكمة يبرر المطالبة بالتوقف عن دعمها، اذ ان التطور الوحيد هو حملة "حزب الله" الشديدة على هذه المحكمة مع اقتراب موعد صدور القرار الظني. كما قال لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: "العدالة ليست مسألة اجماع اذ ان الاجماع على تأييد المحكمة يتطلب موافقة المتضررين منها على عملها وقراراتها وهذا أمر شبه مستحيل. فالعدالة الحقيقية تؤمنها الأدلة والقرائن والمعطيات الصلبة والصحيحة ويمنحها الشرعية اعتماد القضاة في اصدارهم القرارات والأحكام على أعلى المعايير القانونية. وليس مطلوباً اطلاقاً موافقة المتهمين على قرارات المحكمة اذ انهم يستطيعون الاعتراض عليها بالوسائل القانونية. وفي أي حال ان وجود معارضين لبنانيين لعمل المحكمة لن يبدل شيئاً ولن يمنع صدور القرار الظني.

خامساً – ما يعكس ضعف موقف "حزب الله" ان الحزب مصمم على حماية بل تبرئة أفراد ينتمون الى فريق معين أو جهة معينة سلفاً من تهمة التورط في جريمة اغتيال الحريري ولو امتلك المدعي العام الدولي أدلة وقرائن قاطعة على مشاركتهم في الجريمة، مما يشكل في ذاته تسييساً لعمل المحكمة. كما ان الحزب يحاول اقناع اللبنانيين بأن المشكلة الأساسية الكبرى ليست جريمة اغتيال الحريري ورفاقه والجرائم السياسية الأخرى التي شهدها لبنان خلال مرحلة المواجهة بين الاستقلاليين والنظام السوري، بل ان المشكلة الأساسية هي تعاون عدد كبير من اللبنانيين مع التحقيق الدولي ومع المحكمة الخاصة لكشف حقائق هذه الجرائم، وهي أيضاً وجود شهود زور ضللوا التحقيق في مرحلة ما. ووفقاً لوجهة نظر"حزب الله" يجب تركيز الجهود واعطاء الأولوية لمحاسبة المتعاونين مع التحقيق الدولي والمحكمة ولملاحقة ومحاكمة شهود الزور قبل صدور القرار الظني لمعرفة من هم هؤلاء وما اذا كانت شهاداتهم صحيحة أم لا وما اذا كان المدعي العام استند في اصداره قراره الظني الى شهادات مزورة أم لا. وقد أوضح مكتب المدعي العام الدولي في وثيقة وزعها أخيراً على الصحافيين موقف المحكمة من ملف شهود الزور جاء فيها ان التأكد مما اذا كان أحد الشهود قد كذب أو ضلل التحقيق يحدث "في حال الانتهاء من تقديم الأدلة في ختام العملية القضائية" كما ان التعليق على صدقية الشهود "لن يكون أمراً ممكناً قبل أن تقول المحكمة كلمتها". وهذا يعني أن من الضروري انتظار صدور القرار الظني لمحاسبة شهود الزور، وهو ما يتناقض مع ما يريده "حزب الله"

احتمالان أمام "حزب الله"

السؤال الذي يطرحه المعنيون بهذه القضية هو الآتي: ماذا حقق "حزب الله" فعلاً من خلال معركته مع المحكمة ومع مؤيديها؟ أجابت المصادر الديبلوماسية الأوروبية المطلعة أن الحزب لم يحقق أي مكاسب أو انجازات بل ان حصيلة معركته هذه سلبية بالنسبة اليه. وذكرت "ان "حزب الله" لم ينجح في وقف عمل المحكمة ومنع صدور القرار الظني، ولم يتمكن من دفع الحكومة الى اتخاذ موقف رسمي ينزع الشرعية اللبنانية عن المحكمة، ولم يؤمن حماية أكبر لذاته، ولم يستطع تعزيز موقعه السياسي والشعبي، ولم يتمكن من تغيير موازين القوى لمصلحته ولمصلحة حلفائه، بل انه أضعف بتشدده موقف حليفه العماد ميشال عون في صفوف المسيحيين، وقد وضع "حزب الله" ذاته في مواجهة محتملة مع الجيش وقوى الأمن في حال استخدام القوة المسلحة للرد على القرار الظني أو لاستباق صدوره، وأثار قلق الغالبية الكبرى من اللبنانيين اذ بدا انه ليس مصدر حماية لهذا البلد بل مصدر تهديد كبير له من خلال استعداده للتضحية بالأمن والاستقرار والسلم الأهلي واستخدام العنف والقوة المسلحة لمواجهة مسار العدالة الدولية.

وضمن هذا السياق قال لنا مسؤول أوروبي معني بالملف اللبناني: "ان صمود سعد الحريري والاستقلاليين وتمسك الرئيس ميشال سليمان بدوره التوافقي وبحرصه على احترام التزامات لبنان الدولية وحماية السلم الأهلي وتصميم المجتمع الدولي على ضرورة مواصلة المحكمة عملها الى النهاية، هذه العوامل كلها تضع "حزب الله" أمام احتمالين أساسيين: الاحتمال الأول هو أن يتخلى الحزب عن منطقه الانقلابي ويتراجع عن مواقفه المتشددة ويتقبل مجدداً صيغة المشاركة الوطنية في الحكم ويحترم متطلبات هذه المشاركة ومنها دعم عمل المحكمة والتعامل مع القرار الظني بالوسائل القانونية. ومثل هذا التحول في موقف الحزب يعزز الأمن والاستقرار لكنه يشكل هزيمة سياسية واضحة له. الاحتمال الثاني هو أن يواصل "حزب الله" معركته مع المحكمة ويقوم بتفجير الأوضاع ومواجهة أخطار الصدام مع الجيش وقوى الأمن وهو ما ستكون له نتائج وعواقب بالغة الخطورة في الساحة اللبنانية وعلى صعيد علاقات لبنان مع المجتمع الدولي والدول البارزة من دون استبعاد أن تستغل اسرائيل الوضع المتفجر لشن هجمات على مناطق ومواقع عدة في الأراضي اللبنانية والسورية ولن يؤدي الى وقف عمل المحكمة. ومعضلة "حزب الله" الحقيقية انه لن يستطيع أن ينتصر في معركته مع المحكمة مهما فعل".

المصدر:
النهار

خبر عاجل