كتب حسن شلحة في صحيفة "اللواء": مع استمرار الخلافات السياسية بين القوى السياسية الكبيرة يستمر تعطيل كل شيء، فالتعطيل بات عنواناً للمرحلة المقبلة، والتعطيل يعني لا اجتماعات لمجلس الوزراء ولا لهيئة الحوار الوطني ولا للهيئة العامة لمجلس النواب.
وما سبق يعني أيضاً شللا كاملا في جميع المؤسسات الدستورية، فالجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء الأسبوع الماضي أمضى الوزراء أربع ساعات من النقاشات في البند الأول من جدول أعمال الجلسة وهو ملف "شهود الزور" ولم يتوصلوا الى توافق على رؤية موحدة مما دفع برئيس الجمهورية الى رفع الجلسة ومن ثم تأجيل مناقشة القضايا الأخرى الموضوعة على جدول الأعمال الى جلسات لاحقة، وهي قضايا تخص مصالح المواطنين من كافة الانتماءات.
وهذا كله يشير الى أن قوى 8 آذار ومعهم ميشال عون استطاعوا أن يقرنوا القول بالفعل، فهم عندما هددوا بتعطيل المؤسسات الدستورية وجدنا أنهم استطاعوا شل مجلس الوزراء، وكذلك عطلوا جلسات الهيئة العامة لمجلس النواب.
في الجلسة الأخيرة حاول وزير البيئة محمد رحال طرح موضوع الحرائق في بيروت والمناطق لعله يتم إقرار بعض التعويضات لمن طالته اعتداءات النيران فلم يستطع الوزير أن يوصل صوته الى الوزراء بسبب الخلافات الحادة و"حوار الطرشان" الذي ساد الجلسة.
وزيرة المالية ريّا الحسن تشتكي من عدم إقرار الموازنة العامة عن العام الحالي رغم أنها قدمت مشروع موازنة 2011 والمبررات كثيرة لدى فريق التعطيل بعضها محق وبعضها الآخر غير محق، فالقانون يلزم وزارة المالية إجراء قطع حساب عن السنة التي تسبق موازنة السنة المعروضة على الهيئة العامة لمجلس النواب، ووزارة المالية لديها مبررات عدم إجراء قطع حساب عن بعض السنوات السابقة.
والحقيقة أنه فيما لو انتظرنا عملية التدقيق في الحسابات ومستلزمات قطع الحساب لأعوام عدة لاستلزم ذلك سنوات، وهناك من يرى أنه لا مانع من إقرار موازنة 2010 على أن تستمر عملية التدقيق المطلوبة لاحقاً، فقضايا الناس ومصالح العباد تتطلب ان يكون لدى الحكومة إذن من مجلس النواب للصرف من الموازنة والاستعجال الى الصرف وفقاً لقاعدة الإثني عشرية، وهذه لا يتم اللجوء اليها الا في الظروف الخطيرة التي تكون سائدة في البلد وهو "تصرف استثنائي" اجازه القانون للحكومة.
والسؤال هل من المعقول اللجوء الى هذه القاعدة الاستثنائية والبلد لا يعيش حالة حرب ويوجد فيه مجلس نواب منتخب؟
وهل يجوز تعطيل البلد كله وبكافة مؤسساته على قضية شهود الزور رغم ان كلا فريق التجاذب السياسي أقر بضرورة محاكمة هؤلاء الذين شاركوا في عملية التضليل؟
مما يؤسف له ان الخلاف ليس حول ملف شهود الزور وإنما حول المرجعية القضائية الصالحة للنظر في هذه القضية.
وما هو مستغرب ان لا قوى 8 آذار أبدت أي ليونة حول هذه المرجعية ولا قوى 14 آذار بادرت لا سابقاً ولا لاحقاً الى تحريك القضاء العادي للنظر في هذه القضية البالغة الحساسية والدقة.
واذا كان الكثيرون من اللبنانيين اعترضوا بشدة وانتقدوا اسلوب حزب الله في معالجته لهذه القضية وتهديداته التي أوجدت لديهم مخاوف وهواجس على استقرار بلدهم، ولكن السؤال اين هو القضاء العادي؟
ولماذا لم يتحرك؟ (والسيد حسن نصر الله اشار الى ذلك في خطابه الأخير ولعله في ذلك فتح نافذة للخروج من هذا المأزق).
الجميع في لبنان يدافع عن استقلالية القضاء ويطالب بكف يد السياسيين وضغوطهم عنه، ولكن ايضاً على القضاء ان يحمي نفسه، وعليه الا ينتظر القرارات السياسية لا من مجلس الوزراء ولا من هذا الفريق أو ذاك، وعندما يتحرك القضاء من تلقاء نفسه لا يملك اي فريق اي حجة للاعتراض عليه.
وعلى العموم، لا يبدو في الافق القريب ما يشير الى ان مجلس الوزراء سيعقد جلسته العادية يوم الاربعاء المقبل، فالجميع ينتظر ما يمكن ان تؤول اليه الاتصالات السعودية – السورية، حيث يتم التداول في مشروع حل عربي يعتمد في ورقته الاولى (ما زال التداول قائم بين الرياض ودمشق بشأن نقاطه) على:
– التأكيد على الاستقرار.
– إحالة ملف شهود الزور الى القضاء العادي، والقضاء العادي يحيله لاحقاً على الجهة القضائية المختصة قد يكون المجلس العدلي او غيره.
– بعد إعلان القرار الظني من قاضي التحقيق الدولي دانيال بلمار، وفي حال وجه اتهاماً لعناصر من "حزب الله" بالمشاركة في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، يعلن الرئيس سعد الحريري كونه ابن الرئيس الشهيد أن لا علاقة بالمقاومة في عملية الإغتيال.
المشروع يجري التكتم عليه بشدّة وهو ما زال مشروعاً أولياً على الورق عرضة للتعديل والإلغاء أيضاً.
لبنان رسمياً وشعبياً ما زال ينتظر "الترياق العربي" وفي موازاة هذا الجهد العربي المدعوم من أكثر من عاصمة عربية ومن تركيا وإيران، البلد كله عرضة لينتقل من التعطيل المؤقت إلى التعطيل الدائم، فيما كافة المسؤولين في حالة "تفرّج" وترقب لما يبذله الأشقاء العرب من أجلنا، فإلى متى الإنتظار؟ وإلى متى بقاء هذه القيادات عاجزة عن تقديم مبادرات ليكون الحل لبنانياً بدل انتظار الترياق من الخارج؟، وكأنهم لا يدرون أن لأهل الخارج مصالحهم الخاصة، رغم أننا بتنا جميعاً رهائن لهذه الجهود المشكورة.
الغريب في الأمر أن "أهليتنا" تعرّضت خلال السنوات الماضية لعدد من الإختبارات ولم تنجح.