مجددا يبدو اننا على موعد مع فصل جديد من فصول شل قوى "8 اذار" لسير المرافق العامة وتعطيل الحياة الدستورية في البلاد كما فعلوا في العام 2006 ، بدأ بشل العمل الحكومي الى حين البت بملف شهود الزور… ومجددا نجد انفسنا كقوى اكثرية في "14 اذار" امام مطرقة التنازل وسندان شل الدولة التي هي بالنسبة الينا بمثابة ام الصبي…
ان اخطر ما نجم عن اتفاق الدوحة في شقه الدستوري – مع الاحترام والتقدير للجهود القطرية والعربية والدولية التي رافقت وساهمت في انجاح مؤتمر الدوحة في شقه السياسي – هو انه انبثق منه نظام – بدعة دستورية متمثلة في تكريس اعراف عدة مخالفة للدستور والنظام اللبناني وفي طليعتها الثلث المعطل لقوى "8 اذار" بصورة جامدة ونهائية وحصرية بهم ومن ورائه ايجاد اليات شل وتعطيل دائم لعمل الحكومة وسير اعمال الدولة عند اي خلاف في اي ملف من الملفات الوطنية الخلافية.
فخلافا لنص المادة (95) من الدستور التي اكتفت بتشكيل الوزارة بصورة عادلة بين المسلمين والمسيحيين وليس بين القوى السياسية ولا حتى على اساس الفرز الطائفي لتلك القوى – جاء اتفاق "الدوحة" ليعطي قوى "8 اذار" الاداة الدستورية الفتاكة التي تمنكهم اليوم وفي اي لحظة من ممارسة الضغط والابتزاز السياسي على رئيس الجمهورية اولاً وعلى رئيس الحكومة ثانياً وعلى الحكومة مجتمعة ثالثاً ان هم لم يحصلوا على ما يريدونه وهذه الاداة هي: المقاطعة والانسحاب وشل الحكومة كي لا نقول فرض جداول الاعمال والا …
علما ان من يضع جدول اعمال جلسات مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة الذي اناطت به المادة (64) وحده وضع جدول اعمال مجلس الوزراء والدعوة الى عقده على ان يطلع مسبقا رئيس للجمهورية على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث في الجلسة.
فملف شهود الزور كما هو مطروح حاليا من قبل قوى "8 اذار" ووزرائها في الحكومة هو ملف سياسي وليس من الملفات المتعلقة بمواضيع المادة (356) من قانون اصول المحكمات الجزائية (القانون رقم 328/تاريخ 7/8/2001 وتعديلاته ) والتي تحدد حصرا الجرائم الخاضعة لاختصاصات المجلس: فلا القضية تندرج تحت احكام المواد المتعلقة بالبابين الاول والثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات اللبناني (والمتعلقة بالجرائم الواقعة على امن الدولة) ولا تندرج تحت احكام القانون 11/1/1958 – ولا هي من الجرائم الناتجة عن صفقات الاسلحة والاعتدة التي تبرمها وزارة الدفاع الوطني – ما يعني ان زج ملف شهود الزور خلافا للقانون يخفي حقيقة ما هو ابعد من المطالبة البريئة باحالة موضوع شهود الزور الى المجلس العدلي – لان النصوص القانونية لا تعطي هذا الاخير قانونا سلطة النظر في هذا الملف.
اكثر من ذلك نلفت نظر الرأي العام الى ان مجرد اصرار وزراء قوى "8 اذار" على طرح ملف شهود الزور على التصويت في مجلس الوزراء قد يؤدي الى اعتبار انه يشكل قرينة على اعتبار الموضوع بحد ذاته من اختصاص مجلس الوزراء في وقت لا النص القانوني ولا النص الدستوري يخولان مجلس الوزراء التصدي لموضوع شهود الزور لتقرير اي احالة او عدم احالة بشأنه، لذا وبناء عليه نرى:
الف: ان لا يتصدى مجلس الوزراء بموجب المادة ( 355) من قانون الاصول المحاكمات الجزائية الا للقضايا التي تدخل ضمن اختصاص المجلس العدلي – ما يعني ان وضع الملف على طاولة مجلس الوزراء لبحثه بحد ذاته يعتبر خرقا للقانون، لان موضوع شهود الزور ليس من المواضيع التي تقرر احالتها او عدمها بقرار الحكومة.
باء: ان بحث ملف شهود الزور على طاولة مجلس الوزراء يعتبر خرقا لمبدأ الفصل بين السلطات ولا سيما الفقرة (ه) من مقدمة الدستور التي نصت على ان "النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها" – ما يعني ان مجرد طرح موضوع شهود الزور على طاولة مجلس الوزراء يستدرج خرق الحكومة لمبدأ دستوري وقاعدة دستورية ثابتة لانه يعد تدخلا غير دستوري في عمل القضاء ومنه القضاء الدولي الخاص بلبنان.
جيم: ان السير في التصويت داخل مجلس الوزراء سواء لرفض او احالة الموضوع الى المجلس العدلي يخالف القانون والدستور في آنٍ، اذ ان تطرق مجلس الوزراء بحد ذاته الى الموضوع يخالف قاعدة عدم اختصاصه للبحث في احالة الملفات التي لا تندرج ضمن الجرائم المنصوص عليها في المادة (356) من قانون اصول المحاكمات الجزائية (وهي المادة التي تولي حصريا مجلس الوزراء حق احالة الجرائم الى المجلس العدلي )– فعلى مجلس الوزراء اعلان عدم اختصاصه فقط انسجاما منه مع النص الدستوري والقاعدة القانونية الحصرية من دون اي بحث او تأجيل للبحث. ولا مجال لانقسام الراي لان "لرئيس الجمهورية بصفته رئيس الدولة يسهر على احترام الدستور وقوانين الدولة… ان يفصل وهو الحكم الاعلى بموجب الطائف والدستور في الموضوع – لان اي سير في طرح الموضوع للتصويت يخالف مبدأ عدم اختصاص الحكومة نفسه بغض النظر عن نتيجة التصويت". ويعتبر بالتالي مجرد طرح الموضوع في مجلس الوزراء بمثابة استدراج للحكم والحكومة للاخذ بنظرية اعتبار ملف شهود الزور من الملفات القضائية المعني بها المجلس العدلي ما يخلق سابقة خطيرة .
من هنا، تتجلى محاولات "حزب الله" وقوى "8 اذار" في تسييس موضوع قانوني ومحاولات جر الرئيس سليمان والحكومة الى اماكن يصبحان فيها خارج الدستور وخارج القوانين. فالاختصاص للنظر بموضوع شهود الزور يفترض ان يكون من اختصاص القضاء الدولي اولا وهو الصالح فيه عملا بمبدأ ان "قاضي الاصل هو قاضي الفرع " ما يعني ان القضاء الدولي الناظر في ملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه هو المخول النظر في القضايا المتفرعة عن الملف الاساسي، والا فالقضاء اللبناني العدلي الذي يبقى صاحب الولاية العامة على كافة جرائم القانون العام وشهود الزور من جرائم القانون العام العادي واي طرح او محاولات خلاف الاحتمالين والمرجعين اعلاه يعتبر بحد ذاته تسييسا واستدراجا للحكم والحكومة الى تبني وجهة نظر مخالفة للدستور ولنص القانون في اصول المحاكمات الجزائية .
في العام 2006 عندما انسحب الوزراء الشيعة والوزير يعقوب الصراف من حكومة الرئيس السنيورة الاولى اثر جلسة اقرار مشروع نظام المحكمة الدولية بتاريخ 13 تشرين الثاني 2006 انسحبوا لافقاد الحكومة "ميثاقيتها " بدليل الحملة التي بدأها الرئيس اميل لحود يومها وتبعه حلفاؤه في حزب الله وقوى "8 اذار" باعتبار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة "فاقدة الشرعية الميثاقية والدستورية " استنادا لمقدمة الدستور التي تنص على ان "لاشرعية لسلطة تناقض ميثاق العيش المشترك "- فهذا السيناريو مرشح مرة جديدة للتكرار ولنسف الحكومة وشل الحكم مجددا بمجرد انسحاب اقله 11 وزيرا من المعارضة وقوى "8 اذار" من الحكومة وهو النصاب الكافي لاعتبار الحكومة مستقيلة بموجب الفقرة (ب) من المادة (69) من الدستور.
من هنا اهمية دور رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور والقانون ورمز وحدة الوطن والحكم بين اللبنانيين ان يتجنب الوصول الى التصويت او القطيعة لشريحة من وزراء الحكومة من خلال رفضه البحث بموضوع شهود الزور في مجلس الوزراء اساسا كون الموضوع خارجا عن اختصاص مجلس الوزراء دستوريا وقانونيا كما صار شرحه.
وفي مطلق الاحوال، ان الامس يعود اليوم .. فالعبرة في ان لا نقع في أخطاء الامس ونساهم من حيث لا ندري في المزيد من تشويه وتزوير الدستور ومخالفة مبادئه وقواعده من طرف من له مصلحة في عدم وجود دستور ودولة ونعني قوى "8 اذار" وعلى راسها "حزب الله" في ملف قضائي يثير "هلعهم"… الا ان كان بقاء لبنان بلا حكومة افضل المخارج حقيقة كما لاحظ "الحكيم" …
