عيد الاستقلال. لِمَ لا وان كان لا استقلال، ولا عيد حقيقي بعد.
حلو العلم المرسوم على خدود أطفال يضجّون بالعالم.
من زمان، وفي ذاكرة الضيعة البعيدة، عيد الاستقلال كان أحلى الايام. أولا لانه عطلة تخرق تشرين المدرسة والفحوصات المزعجة، وثانيا والاهم، هو يوم تلفزيوني طويل ووحيد طوال السنة. "تلفزيون لبنان" كان النجم الوحيد ولا منافس. أفلام فيروز، وخصوصا "سفربلك"، الذي يروي حكاية شعبية عن قرية تقاوم ظلم العثمانيين.
نحن لم نكن لنفهم كل هذا، كنا نعجب بنزهة يونس وبفساتينها الرائعة، وبفيروز وهي تهرول في الحقل وتغني " ياطير"، وببرامج الاطفال والتمثيليات الخاصة للمناسبة.
تلفزيون لبنان في يومه التلفزيوني "الاستثنائي"، كان يفتتح بأغنية "هلي ع الريح"، والديكور جبل مكلل بالثلج، وكم أرزة موزعة في أرجاء الاستوديو، وفي الوسط فيروز تغني ومن حولها الفرقة.
هذه صورة ناصعة لاستقلال أيام الضيعة. عند العاشرة تأتي زبدة اليوم التلفزيوني الطويل، العرض العسكري. في أيام الحرب كان العرض يغيب أحيانا، لان عروض عضلات اخرى كانت تجري في الشوارع، فيقتصر المشهد على استعادات لعروض عزّ سابقة.
الاستقلال في ذاكرة الابيض والاسود، هو تلك العنزة الغريبة، التي تمشي قبل الدبابات والجنود، وأمام الشخصيات والرؤساء. لسنوات طوال لم نفهم المقصود من تلك العنزة، غير الملتزمة تماما أوامر العسكر، وفهمنا فيما بعد، بعدما كبرنا، ان العنزة رمز العناد. هو عناد التمسّك بالارض والاستقلال. العناد اياه الذي جعل غالبية من يحملون صفة "مواطن لبناني"، شهداء ومشاريع شهداء.
غابت العنزة عن الابيض والاسود، بعدما احتلت الالوان ساعات البث التلفزيوني المتواصل. بقي "تلفزيون لبنان" حيا في ذاكرة الاستعادات. العرض العسكري السنوي صار بالالوان، لكن لم يعد يُخصص له يوم تلفزيوني طويل، انما صار له في اليوم التلفزيوني الطويل المتواصل على عدد ايام السنة، وقتا مستقطعا لا يتجاوز الساعة او الساعتين على الاكثر. غابت العنزة. أين رمز العناد؟
لم يعد ممتعا العرض. خسرنا فيه الدهشة. أكثر من ذلك. خسرنا بعضا من الايمان. حلّت السخرية مكان الاعجاب. ليس السخرية من الجيش، على العكس تماما. السخرية من بعض من يقفون الى منصّة العرض، يراقبون هذا الجيش. ماذا يقولون عنه؟ ماذا يعني لهم؟ كيف يمكن أن نشاهد نواب "حزب الله" مثلا، يشاركون في اليوم الوطني "اللبناني" بامتياز، من دون أن نسأل: الا يستخف هؤلاء بما يرونه؟ جيش من هذا بالنسبة اليهم؟ أكيد هم يقارنون "جيشنا" بجيشهم. نحن صرنا نفرّق جيشنا، جيش لبنان، عن جيشهم …. "جيش" من ميليشيا لا نعرف لمن ولا عن أي أرض تدافع وعن أي مفهوم؟ نستغرب مثلا وقوف النائب ميشال عون! أي جيش صار يفضّل، هو من كان يوما ابن هذه المؤسسة العسكرية؟!
اسئلة سياسية وجودية كثيرة نطرحها تلهينا عن الذكرى وعن الاحتفال بها.
غابت متعة المشاهدة عن العرض العسكري. حلّت السياسة والتحاليل السياسية والكيد الشخصي والعام مكان كل شيء. صار عيد الاستقلال يوم عطلة! مجرّد يوم عطلة!
قد لا تجوز الكتابة على هذا النحو عن الاستقلال. لكن أليس الاستقلال بالمفهوم العام، هو أمر واقع ملموس، أو احساس غامر بالشعور بالنصر، او حدث سعيد نستعيده بقلوب راجفة سنة بعد سنة؟
نحن لا نشعر بكل هذا. نشعر بأشياء كثيرة اخرى انما مغايرة تماما. في يوم الاستقلال نشعر أكثر بالاسر. نشعر بالخوف والتوجّس كي لا نقول الرعب. نشعر بالخيبة كي لا نقول الفشل. نشعر بالاستياء كي لا نقول السخط.
من زمان، بالابيض والاسود كان العدو واحدا. كنا نظن. كنا نفهم انها اسرائيل. طبعا لم نكن بعد نتحلى بالنضج السياسي ولا الوطني. عرفنا لاحقا ان الاعداء أكثر بكثير، وان العدو المقنّع غير المعلن هو أخطر الف مرة من الف اسرائيل…
في زمن الالوان، كشف العدو عن أنيابه فاذ بها تقطر سمّا، تريد ان تحقن به جلد الوطن. فصرنا نخاف على العسكر. نخاف عليه وهو يستعرض بعضا من قوته، ليقول لنا انه موجود هنا لحمايتنا. ومن يحميه من غدر الداخل والخارج المقنّع خصوصا؟
غابت عنزة العناد عن العرض العسكري في عيد الاستقلال. لعلها علمت ان العيد غائب موقتا، لكن بقي العناد، وصار هو العيد المستعاد بالالوان على مدار السنة.
ناد جيش، يرفض الا يكون هو الوحيد رمز شرف البلاد. وعناد شعب يرفض ان يعيّد، ما لم يصبح الجيش اللبناني، هو الوحيد بطل العرض العسكري، وكل العروض العسكرية اللاحقة، على مدى السنين والى ابد الابدين.