كتب معروف الداعوق في صحيفة "اللواء": تتعدى نتائج الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري الى روسيا منذ أيام قيمة الهبة العسكرية المهمّة المقدّمة من الحكومة الروسية لدعم قدرات الجيش اللبناني التسليحية، الى أبعد من ذلك بكثير على الصعيد السياسي المحلي والإقليمي أيضاً في هذه المرحلة الحسّاسة والدقيقة التي يمر بها لبنان، في حين أن النتائج الاقتصادية للزيارة قد تفوق أهميتها ما تم الإعلان عنه بكثير، لا سيّما بعد استكمال الاتصالات التفصيلية التي تحدّد أوجه التعاون في المجالات الاقتصادية بين البلدين إنطلاقاً من قدرات كل منهما وحاجاته وموقعه الجغرافي.
فروسيا، أرادت من تقديم المساعدة العسكرية للبنان في هذا الوقت بالذات وخصوصاً في ضوء ما يتعرّض له من تحديات ماثلة سواء على الصعيد الداخلي من جراء تزايد التهديدات باحتمال القيام بردّات فعل تستهدف الوضع الأمني في حال تضمّن القرار الظني بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري تسمية عناصر من "حزب الله" مشتبه فيهم بالضلوع في هذه الجريمة، أم على صعيد تزايد وتيرة التهديدات الاسرائيلية للقيام بعدوان جديد على لبنان، إعطاء أكثر من إشارة سياسية وعسكرية في أكثر من اتجاه وخصوصاً نحو الدول والأطراف المعنية بالوضع اللبناني في الداخل والخارج معاً، حرصها كدولة كبرى لها وزنها وتأثيرها في المنطقة على الوقوف في وجه كل المحاولات الهادفة الى زعزعة استقرار لبنان وتأكيدها على دعم مؤسساته الشرعية وخصوصاً الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني واستعدادها المتواصل للقيام بكل ما يلزم في هذا الخصوص.
كذلك ارادت الحكومة الروسية من خلال تقديم المساعدة العسكرية للجيش اللبناني والتي تضم اسلحة وذخائر ومعدات حديثة وفعالة، وابداء رغبة واضحة بتزويده بما يحتاجه من معدات وتجهيزات واسلحة حديثة بأسعار تشجيعية استثنائية وبدون شروط مسبقة، اظهار استعدادها لتكون مصدراً اساسياً لتسليح الجيش وتحديث قدراته على كافة المستويات في مواجهة كل محاولات منع تسليحه، سواء من الداخل تحت حجج وذرائع مختلفة ترمي كلها في النهاية الى رفض تقوية الجيش اللبناني وزيادة فاعليته على حساب نفوذ وقوة بعض الاطراف الداخليين لمنع قيام دولة قوية بالكامل كما يحصل في الوقت الحاضر، وللرد على المحاولات والاعتراضات التي تقوم بها اسرائيل لدى الدول الغربية عموماً وتحديداً لدى الولايات المتحدة الاميركية بحجة إمكانية وقوع اي سلاح متطور يمكن تزويد الجيش اللبناني به في ايدي "حزب الله"، اواستعماله في اي صراع ضد الدولة العبرية كما تردد ذلك على لسان اكثر من مسؤول اسرائيلي في الأونة الأخيرة.
فالمساعدة العسكرية الروسية اعطت انطباعاً واضحاً برغبة الحكومة الروسية في لعب دور سياسي واضح ومؤثر لحفظ سيادة ووحدة واستقرار لبنان في ظل المتغيرات المتسارعة في المنطقة، وحرصها الواضح على توظيف نفوذها وصداقاتها التقليدية مع الدول المعنية بالوضع اللبناني كسوريا وغيرها لدعم المساعي والجهود المبذولة لمساعدة الدولة اللبنانية في تخطي الصعوبات والتحديات التي تواجهها محلياً واقليمياً في المرحلة الراهنة.
ولكي يعطي الدور السياسي والمساعدة العسكرية الروسية للبنان مفاعيلهما المطلوبة، أبدى رئيس الحكومة الروسية فلاديمير بوتين رغبة واضحة في تطوير وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي والمالي ليشمل قطاعات أساسية وضرورية لكي يتفاعل الدور الاقتصادي مع الجهود الأخرى ويعطي ثماره في تقوية وضعية الدولة الاقتصادية، انطلاقاً مما يمكن لروسيا أن تقدمه للبنان في المساهمة في المشاريع الحيوية التي يحتاجها لتفعيل البنية التحتية وسد حاجات لبنان المتنامية وخصوصاً في قطاع الكهرباء انطلاقاً من خبرة روسيا المتقدمة في توليد الطاقة الكهربائية من المفاعلات النووية بأسعار تنافسية ورخيصة قياساً على الطاقة المنتجة بأساليب أخرى، وإمكانية درس المشاركة في المناقصات المطروحة في هذا الخصوص اضافة إلى بحث القيام بتطوير قطاع السكك الحديدية بين لبنان والدول الصديقة المجاورة وربط هذه الشبكات مع الدول الأخرى لتسهيل وتسريع نقل البضائع والركاب في ما بينها.
ويتوقع ان تتبلور آفاق التعاون الاقتصادي الجديد بين لبنان وروسيا بعد استكمال الاتصالات الجارية بين البلدين، بعد ان تم في الاجتماع الاول الذي جرى بين وزيرة المال اللبنانية ريّا الحسن ونظيرها الروسي في موسكو في اعقاب المباحثات الرسمية بين الرئيس الحريري ونظيره الروسي مباشرة بناء على طلب وإلحاح رئيس الوزراء الروسي شخصياً، استعراض تفصيلي لأفاق التعاون الثنائي بين البلدين والامكانيات المتوافرة لكل منهما في هذا المجال والقطاعات التي يمكن ان يشملها هذا التعاون وخصوصا على صعيد الاستثمار الروسي في المشاريع الحيوية والضرورية، واستتبع باجتماع ثانٍ مطول تم خلاله وضع جدول زمني لاستكمال المباحثات بين الجانبين وتحديد مواعيد الانطلاق لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
وتلخص مصادر الوفد اللبناني المرافق للرئيس الحريري في زيارته الى روسيا نتائج الزيارة بأنها تفوق اقتصادياً ومالياً ما تم الاعلان عنه على الصعيد السياسي والمساعدة العسكرية، وانها تجاوزت زيارة اي مسؤول آخر لروسيا من قبل، الا انه بعد استكمال الاتصالات والمشاورات الجارية بين الدولتين سيعلن ما تم الاتفاق عليه ما يمكن القيام بتنفيذه على الصعيدين المالي والاقتصادي والاستثماري في المرحلة المقبلة والذي يعود بفائدة كبيرة على البلدين معاً.