كتب المحلل السياسي في صحيفة "اللواء": تقاطعت معلومات من مصادر متعددة تفيد ان الاسبوعين المقبلين تُركا ليكونا بمثابة فترة اختبار انتقالية لانضاج طبخة تسوية تكون مقبولة وتوفق بين العدالة والاستقرار.
ويعتقد ديبلوماسيون عاملون في بيروت ان هذين الاسبوعين يشكلان مساحة جدية لحوار لبناني وعربي- اقليمي ودولي، قد ينتجان بوادر تسوية لن تكون بالتأكيد على حساب القرار الاتهامي، لكنها قد تأتي جزئيا على حساب المحكمة الدولية وآليات عملها.
بمعنى اوضح، بمجرد صدور القرار الاتهامي، سيتحول الجهد الى صوغ آليات ضامنة وحاضنة للوضع اللبناني، تغلّف الاستقرار السياسي والامني بمواد حافظة تتيح قدرالامكان والمستطاع- تمديد تاريخ صلاحية المظلة العربية، الى حين ايجاد او ابتكار الصيغة القادرة على التوفيق بين العدالة والاستقرار.
ويشير الديبلوماسيون بأسف الى ان ثمة تسليما لبنانيا بعدم قدرة اي من الاطراف في بيروت على ايجاد او ابتكار او استنباط افكار جديدة لمعالجة المرحلة التي تلي القرار الاتهامي، لذا يظهر ان جميع هؤلاء سلّموا بهذه الحقيقة ووضعوا اوراقهم وآمالهم في سلة عربية- اقليمية علها تعوض لهم العجز عن الابتكار!
ويعزز هذ الانطباع التسووي ما توافر من معطيات عن الزيارة الاخيرة لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الى العاصمة السورية. فالرجل الذي قيل انه بات ليلتي التاسع والعاشر من تشرين الثاني في دمشق – وليس ليلة واحدة خلافا لبيان مفوضية الاعلام في الحزب- كان يأمل في لقاء الرئيس السوري بشار الاسد الذي انهى زيارة لرومانيا عصر الحادي عشر من تشرين الثاني.
واذ لم ترشح اي معلومات عن لقاء حصل بينهما، تبيّن ان جنبلاط سمع من مضيفيه السوريين، وخصوصا من منظّم علاقته مع دمشق معاون نائب رئيس الجمهورية اللواء محمد ناصيف ابو وائل، ان المسعى السوري- السعودي اكثر من جدي، وان ثمة مساحة من التهدئة ينبغي الحفاظ عليها، تفرض فيما تفرض ابقاء الحكومة في تماسك الحد الادنى، لأن المرحلة لا تتيح اي ترف سياسي، في اشارة الى انه من الصعب في مكان تطيير الحكومة وقضاء اشهر عدة بحثا عن صيغة حكومية جديدة.
وتلفت المعلومات الى ان جنبلاط سمع في دمشق ان ثمة توافقا مع الرياض على تمرير مرحلة القرار الاتهامي، على ان تليها مباشرة مرحلة البحث عن حلول من بينها امكان ايجاد آلية لبنانية-عربية تبطل مفاعيل هذا القرار، وتحفظ ماء وجه جميع الافرقاء، من غير ان يقع لبنان في مواجهة شرسة مع المجتمع الدولي، سيكون فيها الخاسر الاكبر، وستتأثر دمشق سلبا بهاتين المواجهة والخسارة.
لذا، يُعتقد على نطاق واسع ان جنبلاط بات يحمل كلمة سر المرحلة الراهنة. وكانت اول ارهاصات هذا الواقع، "التخريجة" التي اتاحت ارجاء البحث في ملف الشهود الزور في جلسة الحكومة يوم العاشر من تشرين الثاني، لا بل قذفه الى ما بعد ذكرى الاستقلال التي تصادف صبيحة هذا اليوم، وربما الى ما بعد نهاية تشرين الثاني، حيث يكون قد حان وقت صدور القرار الاتهامي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
في هذا المناخ الضاغط، تتحضّر بيروت لإستقبال عدد من القادة والمسؤولين، من بينهم رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان الذي يزورها الخميس المقبل في الخامس والعشرين من تشرين الثاني، مباشرة بعد عودة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من زيارته المقررة الى قطر والتي ينهيها غدا، تلبية لدعوة من اميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
ولا يخفى ان لكل من الدوحة وانقرة الاثر (وربما من الادوار الاكثر تأثيرا) في رسم سيناريوات مرحلة ما بعد القرار الاتهامي، نظرا الى علاقات كل منهما المشتعبة، من دمشق وايران، الى طهران، وصولا الى واشنطن، وقدرتهما على التحرك في مساحات ضيقة، تعصى في العادة على المناورة، ومرصوفة احيانا كثيرة بالالغام والكمائن والمصائد.
من جهتها، قررت باريس ان تستقبل كلا من رئيس تكتل "الاصلاح والتغيير" النائب العماد ميشال عون بعد ارجاء تلو آخر، ورئيس حزب الكتائب امين الجميل ورئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع، وربما غيرهم من القادة والمسؤولين، رغبة منها في توفير دور المهدئ تحضيرا لتلقف القرار الاتهامي المرتقب صدوره عن المحكمة الخاصة بلبنان.
ويقول ديبلوماسي، مفصلا ما يراه مفارقة مشهدية في بيروت: بينما تظهر معظم البعثات الديبلوماسية العاملة في لبنان ارباكا في مقاربتها التطورات اللبنانية المتسارعة وارتباطاتها بالمحكمة الدولية نظرا الى الانهاك الذي يثقل كاهل الديبلوماسيين، يشهد سفير ايران غضنفر ركن ابادي، ربما، افضل ايامه في سياق خدمته الديبلوماسية متنقلا بين الاحتفالات والمآدب ومصليا خلف مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، فاتحا الكثير من الابواب، من غير ان يغفل المشاركة في تحضير اصغر تفاصيل زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري الى طهران نهاية هذا الشهر.
ويشير الديبلوماسي الى ان دمشق تبدو الاكثر قلقا. اذ لا يخفى انها تعيش حالا من القلق نظرا الى التسريبات الاوروبية والاميركية المتكررة والممنهجة في الاسابيع الاخيرة عن قرار اتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري سيسمي اكثر من مسؤول حالي او سابق، الى جانب ما توافر للتحقيق من معطيات عن ضلوع مسؤولين في "حزب الله".
وكثيرا ما انسحب القلق الدمشقي ارقا في بيروت، يختم الديبلوماسي خلاصاته بعبارة اشبه بإنذار!