بين عيدين تحل الذكرى الخامسة على استشهاد "شيخ شباب" شهداء ثورة الأرز؛ ولأن هناك مَن يريد للبنانيين تحت وطأة التهديد والوعيد أن "يمسحوا" من ذاكرتهم كوكبة من رجالات لبنان سقطوا دفاعاً عن لبنان وشهدائه، وكل شهيد فيهم سقط لأنه دافع عن دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، على اللبنانيين في هذه الأيام وأكثر من أي ذكرى سابقة حلت أن يؤكدوا أنهم لم ينسوا قطرة دم واحدة، وأن في لبنان ليس هناك من يمنحوا الشهداء مراتبهم ومنازلهم، وأن ليس هناك دماء لها كرامة أو سمعة أو قداسة، ودماء لا قدسية ولا حرمة لها وأنها تراق متى أريد لها أن تراق، وأن تطوى صفحتها ويفرض على اللبنانيين التعاطي معها كأنها ماء لا دماء لأن المطالبة بحق معرفة من اغتالها ومعاقبته تهدد سلامة الوطن…"أيه… مرحبا" هكذا وطن يصنف الإلهيون "المعصومون" الشهداء والشعب والناس والعالم كما يحلو لهم أن يقسموه تحت طائلة "التهديد" و"الزمجرة" اليومية بتهم العمالة والخيانة!!
ونحن على قاب قوسين من عيد الاستقلال، وعلى عتبة الذكرى الخامسة من استشهاد الوزير والنائب، والابن والأخ والزوج والأب الشيخ بيار الجميل، التأكيد على معاني ودور هذا الاستشهاد، ودور كل قطرة دم من دماء شهيد من شهداء مسيرة 14 آذار وثورة الأرز، وتكفي فقط ملاحظة كم يكرهون وصف يوم 14 آذار بـ"ثورة الأرز" وليس كرهاً بالثورة لأنهم يدعونها ليل – نهار، بل "كرهاً" بـ "الأرز" ورمزه وخلوده ورسوخه وعمره الذي يحصى بملايين السنين، يكفي لمس هذه الكراهية كلما قالوا "ما يسمّى" بثورة الأرز، حتى نعرف أن ما حدث كان حقيقة، وكان انتصاراً من الشعب اللبناني لوطنه ولحريته واستقلاله وسيادته، ورفضه القمع بالقتل والاغتيال، ورفضه الانصياع للتهديد، من أجل ذلك اليوم سقط كل شهداء ثورة الأرز وبيار الجميل واحد من خيرة شبابها…
ثمة مشهد على كثيرين أن يحتفظوا به في ذاكرتهم لأنه شكل لحظة فزع للذين يخافون ويحقدون على الوحدة الإسلامية – المسيحية، كان الحزن عاماً غامراً ومشاعر الغضب تشتعل في القلوب الساخطة على الإمعان في اغتيال شباب لبنان ورجالاته، خرج من قلب الطريق الجديدة علم الكتائب مع علم لبنان، هذا ما فعلته دماء بيار الجميل وكل الشهداء الذين سقطوا من أجل لبنان…
ولكل الذين يظنون أن بمقدورهم "التفرقة" – فهم أهل شق الصف والوحدة بامتياز – بين دماء الشهداء، فيساومون على دمائهم بالمفرق، ويحاصرون الرئيس سعد الحريري بكلمة "ولي الدم" ويحبسون قافلة الشهداء بالرئيس رفيق الحريري فقط، ويحملون في وجوهنا "فزاعة" الفتنة السنية – الشيعية، نقول لهم: "اعزفوا غير هذه النغمة" فشهداء ثورة الأرز وحّدت دماء المسلمين والمسيحيين، وكل هؤلاء الشهداء نريد أن نعرف من قتلهم وأي عقل إرهابي أدرك قيمة كل واحد منهم فظن أنه كلما قصف عوداً أخضر من مستقبل لبنان سيصيب المنادين بحرية لبنان واستقلاله يباس، والذين يغرقوننا اليوم بسيناريوهات التخويف والاحتلال والانقلاب وخراب البصرة، والذين يغمروننا بلطف الحديث عن "تسويات" تطيح بدماء الشهداء، لكل هؤلاء : المحكمة آتية، والحقيقة آتية، واللبنانيون هدموا جدار الخوف مع تردد الانفجار العظيم يوم 14 شباط 2005، وجدار الخوف متى انقض وتهدم لا تخويف قادر على رفعه وإقامته من جديد، ولن تضيع قطرة من دماء هؤلاء الشهداء وما وقع عليهم من ظلم وعدوان وعلى لبنان من اعتداء وعلى ذويهم من فاجعة وثكل وفقد ويتم وترمل.
في الذكرى الخامسة على اغتيال الوزير الشاب بيار الجميل، يكفي أن نلقي نظرة على تاريخ القتل في عائلة هذا الشاب، يوم اغتيل الرئيس بشير الجميل، لم يخطر في بال كثيرين أن يوماً سيأتي سيخرج فيه بيار أمين الجميل يلملم الكتائب مَن تمزقها وتفتتها، ويوم قتلوا بيار ظنوا أنهم سيقفلون باب دارة بكفيا إلى الأبد، ففاجأهم وريث عمه وأبيه النائب سامي الجميل، إلى حد قد "يتندمون" معه على أيام شقيقه شهيد شباب ثورة الأرز الشيخ بيار…
لهذه الدماء، ولهذه الكوكبة من الشهداء، ولهؤلاء الرجال الرجال الذين واجهوا آلة القتل بالكلمة والعزيمة والتصميم والإيمان بلبنان وطناً نهائياً لكل أبنائه، للشهيد بيار الجميل، مازلنا أوفياء لدمائكم، ولن نفرط في هذه الأمانة، ولن نفرط بلبنان، ولن نفرط أيضاً بالسبب الحقيقي لاغتيالكم، لن نفرط بالمحكمة الدولية من أجل لبنان، من أجلكم، ومن أجل لبنان، ومن أجل وضع حد لمن قتلكم ظناً منه أن لا حساب لا في السماء وكذلك على الأرض!!