#dfp #adsense

لقاء سليمان – الاسد: التوفيق بين العدالة والاستقرار

حجم الخط

أكثر اللقاءات أهمية وجدوى ومردوداً تلك التي تعقد بعيداً عن الأضواء والشكليات وتكتسب صفة "لقاءات عمل" وتكون هادفة وعملية. وهذا ما ينطبق على "لقاء الأضحى" بين الرئيس اللبناني ميشال سليمان والرئيس السوري بشار الاسد ليشكل اختراقاً بارزاً ونوعياً لحركة الاتصالات والمبادرات الجارية في سياق البحث عن مخارج وحلول لأزمة المحكمة الدولية ومتفرعاتها من قرار ظني و"شهود زور".

اللقاء لم يكن للمعايدة بين رئيسييّ البلدين فقط كما اراد البعض تصويره من أجل التقليل من أهميته أو بعيداً من التصوير والاعلام بسبب فتور في العلاقة بين الرئيسين كما يتمناها البعض الآخر وحاولوا الايحاء به لبعض الاعلام، وانما كان لقاء عمل يندرج في صلب المساعي السورية-السعودية المتقدمة اشواطاً والمتواصلة تحت سقف القمة الثلاثية التي انعقدت مؤخراً في قصر بعبدا ورسمت اطار الحلول وحددت الخطوط الحمر.

مصادر سورية بارزة أكدت لنا ان العلاقة بين رئيسي البلدين اكثر من ممتازة وهما على اتصال دائم ودوري واسبوعي وان الرئيس الاسد يعرف جيداً الوضع المعقد في لبنان وصعوبة الوضع السياسي فيه وهو يقدر عالياً الدور التوافقي الذي يقوم به الرئيس سليمان للتقريب بين القوى السياسية المتصارعة وهو دور صعب ودقيق للغاية ولا يحسد عليه ابداً وكل ما يقال عكس ذلك هو من قبيل التحليل والتمنيات. ويضيف المصدر ان الرئيسين بحثا خلال اللقاء معادلة "الاستقرار الامني والسياسي" وتوافقا على ممنوعين ومحظورين:
1 – الوقوع في الفتنة الطائفية والمذهبية، 2 – سقوط حكومة الوحدة الوطنية. لماذا؟ لأن الأولى اذا ما وقعت ستخرج الأوضاع عن السيطرة ويدخل الجميع في نفق مظلم ليخرجوا منه جميعهم خاسرين ويدخل الوضع في لبنان والمنطقة بأسرها في دوامة أحداث وتطورات خطيرة ومأساوية يمكن ان نعرف كيف تبدأ ولكن لا يمكن ان نعرف كيف تنتهي ومتى… والنقطة الثانية سقوط الحكومة، وهذا يعني ان لن يكون هناك أي حكومة جديدة تستوفي شروط الوحدة الوطنية والتوازن الوطني على المستويين السياسي والطائفي. وسيكون البديل بطبيعة الحال الفراغ والفوضى في ظل حكومة تصريف أعمال لا سلطة لها ولا قرار.

ويضيف المصدر السوري: ولأن الوضع على هذه الدرجة من الخطورة أتى لقاء الاسد – سليمان لوأد "الازمة – الفتنة" في مهدها، ولمنع الوقوع في المحظور، خصوصاً ان المساعي السورية – السعودية تتواصل بثبات وتصميم. ويلفت المصدر الى ان ثمة رغبة أكيدة وقوية لدى كل من دمشق والرياض للمساعدة في الخروج من هذه الازمة التي استحالت كابوساً مزعجاً يؤرق اللبنانيين ويقض مضاجعهم. وهذه الرغبة ترجمت في منهجية عمل مشتركة وجدية وفي صياغة مجموعة أفكار ونقاط تساهم في تثبيت الهدنة ومنع انتقال الوضع إلى مستويات جديدة من التوتير، وتحصينه وتقوية مناعته الذاتية كي يكون قادراً على تلقي صدمة القرار الظني اذا صدر وفق التسريبات الحاصلة منذ اشهر، وكي يكون قادراً ايضاً على تخطي مفاعيل مثل هذا القرار وبما يفضي في النهاية إلى التوفيق بين العدالة الحقيقية وغير المسيسة والاستقرار…
(على حد قول المصدر عينه).

إذن، مما لا شك فيه ان الوضع الراهن هو على درجة كبيرة من الدقة والخطورة والتعقيد، خصوصاً ان ما هو حاصل بين اطراف الداخل من انعدام ثقة وتراكم هواجس يكمله ويعززه ما هو جار في المنطقة من تفاقم أزمات وترابط ملفات وأوضاع لها أبلغ الأثر على لبنان. ولكن ازاء فداحة ما يجري، لا يمكن ان نقف متفرجين وغير مهتمين بما قد يمكن ان يحصل بل يجب ان نكون متهيبين للموقف ونتخلى عن التوتر ونبحث عن افكار خلاقة قابلة للتطبيق والعمل وإيجاد ما امكن من نقاط وقواسم مشتركة تقرب بين اللبنانيين. وأما الترجمة العملية لهكذا توجه فإنها تتم انطلاقاً من أمرين واعتبارين أساسيين:
1 – التمييز والفصل بين المحكمة الدولية والقرار الظني الذي سيصدر عنها. ذلك ان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ورغم ما شابها في الفترة السابقة من عيوب وثغرات ورغم ما حصل حولها من نقاط استفهام، فهي قائمة بفعل القرار الدولي الصادر عن مجلس الأمن، ولبنان لا يمكنه سوى التزام بقرارات الشرعية الدولية والايفاء بما تعهد به ويتوجب عليه… واما القرار الظني الذي لا يعني الادانة وليس هو حكم المحكمة، فإن لبنان ليس مقيداً به وخاضعاً له ومجبراً على قبوله والتعاطي معه كما هو، وانما فهو قرار أولي قابل للطعن والتشكيك والرفض وكل أوجه ردات الفعل والتقييم…

من غير الممكن رفض المحكمة التي خرجت من يد اللبنانيين جميعاً، والتعاطي معها كأنها غير موجودة، لكن في المقابل بامكاننا التعاطي مع القرار الظني كأنه لم يصدر خصوصاً اذا ما كان مسيساً أو مستنداً إلى افادات كاذبة أو لم يتضمن أدلة قاطعة، وذلك من خلال تعطيل مفاعيله السلبية والمدمرة إن وُجدت، واغراقه بوابل من الشكوك والانتقادات…
2 – القرار الظني أت عاجلاً أم آجلاً، وليس في يد أحد ان يحدد موعده ومضمونه، ولا يمكن ايقافه أو تأجيله أو الغاؤه. ولكن ما يمكن فعله في فترة الانتظار التي ربما قد تطول أو تقصر هو وضع خطة وطنية لمواجهة تداعيات ومفاعيل أي قرار ظني يمكن ان يسبب فتنة في البلاد، ومثل هذه الخطة الاستباقية والوقائية يجب ان توضع قبل صدور القرار الظني وبأسرع وقت ممكن وتحديداً على طاولة الحوار الوطني وبحث هذا الموضوع الحساس والهام بكل جرأة وموضوعية وبعيداً عن "النكنكات السياسية" لأن لا يعود لأي خطة مواجهة من فائدة وقيمة بعد صدور القرار الظني كون الحدث يكون قد تجاوزها. ولذلك فإن اي نهج وسلوك يعكس التباطؤ والتراخي والاهمال في عملية الالتفاف على القرار الظني وتداعياته، يرتب مخاطر جمّة ويحمّل الجميع مسؤولية الوضع الذي سينشأ… وبالتالي يصبح من الضروري الخروج من دائرة المراوحة والدخول في دائرة المبادرات والقرارات الصعبة والجريئة، والتنازلات المتبادلة.

وأول ما يجب فعله في هذا الاطار أمران لا يحتملان التأجيل والانتظار:
الأول: بت مسألة شهود الزور بعدما أصبحت واقعاً سياسياً منذ ان اعترف الرئيس سعد الحريري بوجودهم خلال حديثه إلى جريدة الشرق الاوسط، وبغض النظر عما اذا كان هناك ملف قضائي أم لا… فإن الحاجة والضرورة تدفعان إلى بت هذه القضية بعدما أصبحت هذه القضية عائقاً وسبباً في فشل الحكومة والمؤسسات الدستورية والسياسية وفي اهتزاز دعائم الوفاق الوطني.

وحتى لا تظل هذه المسألة عالقة في السجال العقيم الذي يدرجها فريق سياسي في خانة القضاء العادي حيناً ويعود فريق سياسي آخر ويدرجها في خانة المجلس العدلي حيناً آخر، أتى الاقتراح الذي تقدم به رئيس الجمهورية في آخر جلسة لمجلس الوزراء ليكون الاصوب والاضمن ويوازي بأهميته ومرتبته احالة ملف شهود الزور إلى المجلس العدلي وأكثر، وهذا يحتم على جميع القوى السياسية السير به، هذا اذا كنا فعلاً نريد "أكل العنب وليس قتل الناطور" ونريد الاستقرار والوحدة بين اللبنانيين.

إن اقتراح الرئيس سليمان لتشكيل لجنة تحقيق برلمانية هو مخرج جديّ للازمة القائمة خصوصاً ان الجميع يعلم بأن مسألة شهود الزور تتمتع بخصوصية معينة وتختلط فيها الابعاد القضائية والسياسية، الأمر الذي يوجب وضعها في عهدة المجلس النيابي أعلى سلطة تشريعية ومصدر كل السلطات وتحت اشراف مباشر لرئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يعتبر من قادة المعارضة الاساسيين ويحظى في الوقت نفسه باحترام وتقدير كافة القوى السياسية في البلاد مما يجعل من الرئيس بري بما يمثل الضابط الفعلي لايقاع عمل لجنة التحقيق البرلمانية حيث لن يسمح حينها بأي تسويف أو تمييع أو تسييس في قضية محاكمة شهود الزور.
الثاني: هو استئناف الحوار الوطني في قصر بعبدا وبرعاية رئيس الجمهورية اليوم قبل الغد، اذ لا يجوز ربط هذا الحوار بأي موضوع آخر، كما لا يجوز ادخاله في لعبة التجاذب والابتزاز وتبادل الضغوط. ان هيئة الحوار الوطني هي افضل تعبير في هذه المرحلة وحتى اشعار آخر عن حال الوحدة والوفاق وأفضل اطار ضامن للاستقرار السياسي والامني، وأي خروج عن سكة الحوار سيكون بمثابة خروج عن جادة الصواب ودخول في دائرة الخطر الشديد… بعدما أصبحت الازمة مرشحة اذا لم يتم تداركها أن تتحول إلى أزمة حكم ونظام…

ولأن المخاوف والمخاطر كبيرة، يصبح من الضروري توسيع بنود الحوار وعدم الالتزام "بالاستراتيجية الدفاعية" التي تخطاها الزمن والذهاب إلى ما هو أكثر إلحاحاً ويشكل أولوية ضاغطة في هذه المرحلة موضوع "المحكمة الدولية". لكن يبقى الاساس ملاقاة المساعي السورية-السعودية الحميدة من قبل جميع اللبنانيين، وان يدركوا في الوقت نفسه ان لا قيمة لمساع تبذل من الخارج إن هم لم يساعدوا انفسهم أولاً…
كون :
1 – دعوة سليمان لتأليف لجنة تحقيق برلمانية هو الأصوب والاضمن.
2 – مسألة شهود الزور تختلط فيها الابعاد القضائية والسياسية.
3 – القرار الظني المنتظر قابل للطعن والرفض والتقييم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل