بكل أسف ، يشعر اللبناني بأنه لم يرق عشية عيد الاستقلال الى المستوى الذي يضمن لنفسه فيه أن قراره السياسي ينبع من داخل حدوده، بل من خارج هذه الحدود.
علامات كثيرة ووقائع شتى تثبت بشهادة القاصي والداني أن مطبخ القرارات السياسية ولا سيما منها السيادية يتوزع على دول مشرقية وغربية مختلفة، ولان الزيارات المكوكية والخاطفة أحياناً تبقى احدى الدلالات المثيرة ولا سيما تلك التي يقوم بها بعض الرؤساء بهدف استشعار راي هنا أم توجه هناك،
والاكثر غرابة ما يفصح عنه بعض هؤلاء علانية وأمام الراي العام وعبر وسائل الاعلام ما يلامس الوقاحة في قولهم أنهم سوف يقومون بزيارة للدولة تلك بهدف الوقوف على رايها من بعض الاحداث وجس نبضها لمعرفة توجهها في التعاطي معها، وكان ليس في لبنان لا رؤساء ولا حكومة ولا وزراء ولا نواب معنيين بما سوف يقرر وينفذ.
هذا الفلتان السيادي الذي أفضى الى تشريع الباب أمام نزوات بعض دول القرار، وتحت حجج واهية أبرزها المصالح الاستراتيجية والاقتصادية وسواها أوصل لبنان الى ما وصل اليه بعدما تركت الساحة الداخلية مسرحاً لفض خلافات الآخرين على أرضنا وللمبارزات العقيمة التي دفعنا بسببها أثماناً باهظة ان على مستوى البشر أم على مستوى الحجر.
لقد شاع مثل يقول : "اذا كان رب البيت بالدف مولعاً ، فما ذنب أهل البيت ان كانوا مولعين بالرقص"، وقد تطوّر المثل الى حد أنه بات يجوز القول في الوضع البناني : " ان كان أهل البيت – وهنا يقصد به بعض المسؤولين – بالخلافات والمماحكات مولعين، فما ذنب الدخلاء من القوم الآتين من خارج الحدود لتحقيق مآربهم ان كانوا لمصالحهم عاملين".
أما وعلى صعيد النكتة في هذا المجال، فقد استوقفني صديق لي مذهولاً عندما شاهد متأثراً على جهاز التلفاز العاهل السعودي وهو يلج باب المستشفى في المملكة العربية السعودية لاجراء فحوصات من جراء ألم في ظهره فبادر صديقي بالقول: "ألله يستر ما تخرب عندنا!!!" وهو يقصد بغياب أحد الفرقاء القادة البارزين الدوليين في معالجة الجسم اللبناني الذي يقبع حالياً في غرفة العناية الفائقة، وقد خشي أن يتسبب هذا الغياب القسري باشتعال الازمة من جديد بعدما كان العاهل السعودي يلعب دورأً فاعلاً في منع شرارة الصراع اللبناني من التفاقم في الوقت الراهن.
انه قدر اللبنانيين أن يلزّموا ملفاتهم الشائكة الى الآخرين، فهل تكون القيادة الخارجية أنجع وأفعل من قيادة الداخل بعدما وصل الاصطفاف الطائفي والسياسي والمناطقي الى أوجه؟