#dfp #adsense

سليمان في ذكرى الاستقلال: الانكفاء عن الحوار انكفاء عن الذات وخصوصية لبنان ولاستراتيجية دفاعية ترتكز على دور الجيش الاساسي الذي اثبت جدارته

حجم الخط

شدد رئيس الجمهورية ميشال سليمان على ان المسؤولية الاولى والاهم تبقى على عاتق اللبنانيين لاجتراح الحلول المناسبة والثبات عليها كون الارادة اللبنانية الحرية شرطا اساسيا من شروط الاستقلال والوصول الى الجمهورية الثالثة.

ولفت في كلمة وجهها للبنانيين بمناسبة ذكرى الاستقلال ان هذا يستوجب العمل على تحقيق اهداف عدة منها الوحدة الوطنية والتخلي عن الخطاب المتشنج فالفتنة يجب عدم السماح لها بان تطل علينا وان تبلي لبنان.

كما اكد على العمل من ضمن النظام والدستور واحترام المؤسسات والاحتكام اليها لحل اي اشكال، التمسك بالطائف واستكمال تنفيذه دون تردد والتوافق معا على توضيح بنوده، المشاركة في تحمل المسؤولية بالطرق الامثل وعدم الاكتفاء بتقاسم الحصص بل الانتقال لمنطق الدولة بدل السلطة، العمل على انجاح التحدي اللبناني القائم على مشاركة الجميع.

وركز على الحفاظ على حق لبنان بتحرير اراضيه بجميع الطرق المتاحة والمضي قدما بالتوافق على استراتيجية دفاعية ترتكز على الدور الاساسي للجيش الذي اثبت جدارته وتأمين مستلزمات التسليح واستمرار عمل هيئة الحوار اذ يبدو الانكفاء عنها مثابة انكفاء عن الذات والخصوصية اللبنانية.

ودعا سليمان اللبنانيين، كما القادة السياسيين والروحيين وقادة الرأي والنقابات والطلاب وهيئات المجتمع المدني، من موقعه كرئيس للدولة، ورمزا لوحدة الوطن، "بأن لا يسمحوا بأن يكون لبنان ساحة مفتوحة للصراعات وللتدخل الأجنبي، وللالتزام بخط التوافق والحوار والتسامح والتآخي الذي أثبتت تجارب التاريخ أن لا خط لنا جميعا سواه".

وجاء في  نص الكلمة:

"أيها اللبنانيات واللبنانيون، كلما خفقت راية الوطن، في ذكرى استقلاله، في لبنان وفي دنيا الانتشار الواسعة، هفت إليها القلوب، وشخصت نحوها العيون، وصفقت لها الأكف، مستعيدة محطات النضال المجيدة التي اجتازها قبلنا قادة وطنيون عبدوا الطريق إلى هذا الاستقلال. وهو استقلال فتح أبواب التقدم والترقي أمام أجيال متوثبة يدفعها الطموح والتصميم والذكاء إلى احتلال المواقع الأمامية في مسيرات التحرر والتحرير وميادين العلم والحضارة في الداخل وفي الخارج.

إنه لفخر عظيم أن ينتمي المرء إلى وطن متجذر في التاريخ، يضج بالحرية والديموقراطية ويمتاز بالتنوع الفكري والحضاري، ما يدفعنا إلى المحافظة عليه وعلى استقلاله وحمايته من المخاطر والفتن، وإلى العمل على إعلاء شأنه وتثبيت كيانه. لكن خفقات راياته اليوم، لا بد وأن تعيدنا إلى ملامسة الواقع وتحسس مشاكله وتعقيداته، وإلى مواجهة الحقيقة المجردة. فبناء الاستقلال قد يبدو أحيانا متعثرا وغير ناجز حينما يسابقه استقلال الطوائف والمذاهب، وكلما تعرض لاعتداءات وانتهاكات خارجية.

لقد تعاهدنا عام 1943 على أن نعيش معا، بطوائفنا المتعددة، في إطار نظام ديموقراطي برلماني حر، وتوافقنا على ميثاق وطني هو في صلب فلسفة الكيان اللبناني، ما جعل من لبنان بلدا مميزا بين الأمم، وأضفى عليه صفة البلد – الرسالة. نجح لبنان، في السنوات الأولى للاستقلال، في فرض نفسه على الساحتين الإقليمية والدولية، فشارك في تأسيس جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة، وساهم بصورة أساسية في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ودافع عن قضايا الحق والعدالة وفي طليعتها قضية فلسطين. وبرز كبلد يحترم حرية الرأي والمعتقد والتعبير، وصاحب مشروع نهضوي على الصعيدين السياسي والثقافي.

وبالرغم من النكسة التي تعرض لها ميثاقه الوطني وسلمه الأهلي عام 1958، والتي انتهت على قاعدة عدم تغليب فئة على أخرى، فقد عاد وشرع قادته في بناء دولة الاستقلال اعتبارا من مطلع الستينات، واعتمدوا نهجا يصلح في جوهره أساسا في الإصلاح الإداري وبناء المؤسسات وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنماء المتوازن للمناطق، وأصبح شرف الانتماء إلى الوظيفة العامة مصدر افتخار، وغدا للطبقة الوسطى موقع ومكانة على مساحة الوطن.

إلا أن دعائم دولة الاستقلال الثانية سريعا ما تداعت بفعل الاقتتال الذي نشب اعتبارا من عام 1975، نتيجة لاعتبارات داخلية وإقليمية ودولية متعددة، أسأنا تقييمها وتدارك تداعياتها عن طريق الحوار الوطني المخلص البناء، مع ما استتبع ذلك من تدخل لقوات ردع شقيقة. كما واجه لبنان سلسلة اعتداءات إسرائيلية مدمرة واجتياحين لأراضيه عامي 1978 و 1982. ولم تنته الحرب الداخلية فصولا إلا بعد التوصل إلى إقرار اتفاق الطائف واعتماد وثيقة الوفاق الوطني عام 1989.

لقد أدار لبنان شؤونه بعد إقرار اتفاق الطائف في ظل وجود ودور سوري مباشر. وبعد انسحاب الجيش السوري عام 2005، وقع على عاتق الجيش اللبناني والقوات المسلحة واجب المحافظة على الاستقرار الداخلي ومحاربة الإرهاب والمشاركة في مواجهة العدو الإسرائيلي، كما تجلى ذلك في نهر البارد وخلال عدوان تموز 2006 الذي تمكن لبنان من دحره وعمل على محو آثاره. وبالرغم من الإحباط الذي يشعر به كل لبناني نتيجة إخفاقاتنا السابقة في حماية استقلالنا وتثبيت دعائمه، لا بل ضياع مفهوم السيادة والاستقلال لدى الكثيرين، فإن الفرصة باتت وما زالت متاحة أمامنا منذ العام 2008، كي نثبت مقدرتنا على إدارة شؤوننا بأنفسنا، وأخذ الخيارات الصحيحة التي من شأنها أن تقودنا من جديد على دروب الأمن والاستقرار والعدالة والنمو.

يجب علينا الا ننسى بداية، أنه بالرغم من الانتكاسات التي طاولت مسيرة الاستقلال في الصميم، فقد تمكنا من المحافظة على إيماننا بلبنان وبوحدته ونظامه الديموقراطي الحر، وبعيشنا المشترك، ومستوى مناهجنا التعليمية وحيوية نظامنا المصرفي. وتسنى لنا قبل كل شيء إنجاز تحرير معظم أراضينا المحتلة عام 2000، بتضامن جيشنا وشعبنا ومقاومتنا ومجمل قدراتنا الوطنية. وكانت الدبلوماسية اللبنانية قد نجحت اعتبارا من عام 1978، في تكريس اعتراف مجلس الأمن الدولي بحقنا في استعادة كامل أراضينا المحتلة بدون قيد أو شرط، ودون الحاجة لأي شكل من أشكال التفاوض مع العدو الإسرائيلي.

أما خلال السنوات الماضية فقد تمكنا من توفير الاستقرار الداخلي، ومن الالتزام بالاستحقاقات الدستورية، عن طريق إجراء انتخابات نيابية وبلدية حرة، ومن تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإطلاق هيئة الحوار الوطني، واعتماد آلية واضحة للتعيينات الإدارية على قاعدة الكفاءة. ونجحنا في إعادة العلاقات اللبنانية – السورية المميزة إلى مسارها الصحيح وإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، والفوز بمقعد غير دائم في مجلس الأمن، وإعادة موقعنا ومكانتنا على الساحة الدولية، والحؤول دون حصول عدوان خارجي. وتمكنا كذلك من الاستحصال على مواقف دولية داعمة لموقف لبنان الرافض لتوطين اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه، والتواصل بصورة أفضل مع الاغتراب اللبناني، وتفادي تداعيات الأزمة المالية العالمية واجتذاب الودائع والرساميل، وتحقيق نسب نمو مرتفعة…

أيها اللبنانيات واللبنانيون، مع تسجيل امتناننا للأشقاء العرب في دعم لبنان وسلمه الأهلي وإمكانية الاستفادة من مساعيهم الحميدة، فإن المسؤولية الأولى والأهم تبقى على عاتقنا نحن كلبنانيين، لاجتراح الحلول المناسبة والثبات عليها، كون الإرادة اللبنانية الحرة شرط أساسي من شروط الاستقلال. لذا يعود إلينا المحافظة على المكتسبات السابقة والانطلاق منها لوضع أسس الجمهورية الثالثة، ونحن قادرون، إذا ما توفرت لدينا الإرادة السياسية الصلبة وجندت الطاقات والقدرات في هذا السبيل.وهذا يستوجب العمل على تحقيق الأهداف التالية:

1- المحافظة على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي كأولوية. والتخلي عن الخطاب المتشنج المثير للأحقاد. فالفتنة التي تم الحؤول دون وقوعها بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشخصيات لبنانية أخرى، يجب الا نسمح لها بأن تطل علينا بطرق وأوجه مختلفة، وأن تبلي لبنان بشرورها.

2- العمل من ضمن النظام وأحكام الدستور، والتمسك بنهج الحوار واحترام المؤسسات الشرعية والاحتكام إليها في كل وقت وظرف لحل أي إشكال أو نزاع.

3- التمسك باتفاق الطائف واستكمال تنفيذه، بدون تردد أو خوف، والتوافق معا على توضيح الإشكالات الدستورية التي اعترت تطبيق بعض بنوده بعد أكثر من عقدين على اعتماده.

4- المشاركة في تحمل المسؤولية، بالطرق الأمثل، بعيدا عن التعطيل أو الاستئثار أو الاستقواء، وعدم الاكتفاء بتقاسم الحصص أو التنازع عليها، بل الانتقال من منطق السلطة إلى منطق الدولة.

5- التمسك بصيغتنا الحضارية والعمل على إنجاح التحدي اللبناني القائم على مشاركة جميع الفئات والطوائف في ادارة الشأن العام وليس فقط على العيش المشترك؛ وهذه مسؤولية لبنانية وعربية على السواء. ذلك، في مواجهة سياسة إسرائيل القائمة على يهودية الدولة وسعيها لشرذمة العالم العربي، وتنامي الفكر الرافض للرأي الآخر والمعتمد نهج الإرهاب، إضافة لارتفاع أصوات جديدة في الغرب تشكك في إمكانية نجاح نماذج العيش القائمة على التعددية الثقافية. ومن المفيد التمسك من ضمن هذا التوجه، بقاعدة المناصفة وتمثيل الطوائف، دون تكريس الطائفية، وذلك باعتماد معايير الالتزام الوطني وليس الطائفي.

6- متابعة الجهد الهادف لإرغام إسرائيل على الالتزام بالقرار 1701وتنفيذ كامل بنوده، مع الاحتفاظ بحقنا في تحرير أو استرجاع ما تبقى لنا من أراض محتلة بجميع الطرق المتاحة والمشروعة.

7- المضي قدما في عملية البحث والتوافق على استراتيجية وطنية دفاعية ترتكز، الى الدور الأساسي للجيش الذي أثبت فعاليته وجدارته في الدفاع عن الوطن خلال عدوان تموز 2006 وواقعة عديسة، وتأمين مستلزمات التسليح والتجهيز المناسبة له. وتاليا، استمرار عمل هيئة الحوار في أعمالها، إذ يبدو الانكفاء عن هذه الهيئة في المبدأ، مثابة انكفاء عن الذات وعن الخصوصية اللبنانية.

8- الاستمرار في تعزيز فرص النمو اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وتحقيق الإنماء المتوازن وإقرار الخطط لقطاعات الإنتاج والخدمات ووضعها موضع التنفيذ، وتشجيع الحكومة على مضاعفة الجهد، بعيدا عن الجدل السياسي، التزاما منها ومن جميع أعضائها بتحقيق أولويات المواطنين في الحياة الكريمة. ذلك أني أعي وأتحسس آلام الشعب وآماله، وحقه في التنعم بالأمان وبالخدمات الأساسية في مجالات الماء والكهرباء والنقل العام والضمان الصحي والاجتماعي وضمان الشيخوخة وغيرها من الحقوق البديهية دون تمييز أو إبطاء.

9- إجراء الإصلاحات السياسية والقضائية والإدارية الضرورية لحسن سير عمل المؤسسات.

10- المضي في عملية السعي لتثبيت حق المغتربين بالاقتراع وتسهيل إجراءات استعادة جنسيتهم الأصلية، بما يسمح بخلق دينامية مؤاتية للعزة الوطنية وللنمو والازدهار.

لقد آن لنا فعلا، بعد عقود من الحروب والنزاعات، أن نحظى بحالة عامة من الهدوء والاستقرار، كي ننصرف فيها إلى العمل المجدي، وإلى معالجة هموم الناس، وتقويم ما اعوج من أخلاقيات وسلوكيات مجتمعنا، ومكافحة الفساد والغش والجشع والانتهاك الصارخ لحرمات بيئتنا الجميلة، والحد من نزف هجرة أبنائنا إلى الخارج وخلق الظروف المطمئنة لمغتربينا للعودة إلى ربوع لبنان.

أيها اللبنانيات واللبنانيون، إن التوافق ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام، كما يفيد بذلك الميثاق الوطني ووثيقة الوفاق الوطني. والدستور اللبناني نفسه ينص في الفقرة "ي" من مقدمته على أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"؛ ويشجع في مادته (65) على اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء بالتوافق، ناهيكم عن الحاجة لتوفر الثلثين في التصويت على المواضيع الأساسية.

لذا، ومن منطلق القسم الذي أديته في المجلس النيابي، بأن "أحترم دستور الأمة اللبنانية وقوانينها وأن أحفظ استقلال الوطن وسلامة أراضيه"، أعاهدكم في الذكرى السابعة والستين للاستقلال، مواصلة المسيرة، بعزم وقناعة وإيمان، وبالانحياز دوما إلى مصلحة الوطن العليا، والسهر على دفع البلاد على دروب التعقل والتوافق والاستقرار والنمو.

وأدعوكم، أيها اللبنانيات واللبنانيون، فردا فردا، كما أدعو القادة السياسيين والروحيين وقادة الرأي والنقابات والطلاب وهيئات المجتمع المدني، من موقعي كرئيس للدولة ورمز لوحدة الوطن، الى ان لا تسمحوا بأن يكون لبنان ساحة مفتوحة للصراعات وللتدخل الأجنبي. وأدعوكم للعمل معي، تلافيا للأزمات، لتغليب الثوابت التي أقرتها وثيقة الوفاق الوطني، والالتزام بخط التوافق والحوار والتسامح والتآخي الذي أثبتت تجارب التاريخ، أن لا خط لنا جميعا سواه. هكذا نستحق ثقة شعبنا الأبي وعرفان أجيالنا الطالعة. عشتم، عاش لبنان".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل