#adsense

مُنتهية الصلاحية..

حجم الخط

دخلنا فعلاً يا إخوان يا خلاّن، في مرحلة جديدة. ملامحها بيّنة وخواتيمها غامضة، لكن عناوينها تذهب بنا الى أمكنة سياسية وأخلاقية غير مسبوقة.
وفي ذلك القول تفصيل لا بد منه، حيث الناس في الإجمال ما عادت قادرة على استيعاب وتصديق ما تسمع وتقرأ، أو أن تبلع وتهضم كل ما يُرمى على موائدها الإخبارية التوتيرية والتصعيدية.. والكيدية حتى آخر نفس.

بميزان التنك وليس "النحاس" وأي أحجار كريمة أو لئيمة أخرى، صار بعض الكلام يُوزن. وبمنظار يكشف دبيب النمل، صارت رؤية بعض "القامات" ممكنة. وغير ذلك لا يستحق المقام إلا وضعه في خانة الاستثناءات الطبية، عدا عن اعتباره تتمة منطقية لأدران نمت عندما ساد الخراب، وانكمشت الفضائل، وسرحت ثقافة التطاول على القوانين والأعراف والمثل والقيم والتقاليد المأنوسة اجتماعياً وسياسياً. ثم عندما نما منطق تزوير الإرادات وتشويه البيّنات، وما الى ذلك من مظاهر تنفي الحياء الى زاوية العتم، وتتزيّن بالفجور والسفور وقلّة الحشمة والاحتشام وتدفع بكل ذلك الى مصاف البهرجة والتشاوف وتضعه تحت لافتة الأخبار الإصلاحية والتغييرية!

في تلك الأمكنة التي ما راح إليها لبنان مرّة في تاريخه، رغم دمويته ومصائبه وحروبه وكوارثه، تنمو أيضاً، وبدأب غريب فرضيات العسف الأعمى المستند الى سيبة سياسية لا أخلاق فيها، ولا اعتبار لأي قانون، حتى لو كان ذلك القانون الذي يفرض فرضاً على الفاجر تعلّم تمثيل أدوار أخلاقية لا بد منها في أي شأن عام.

.. تدحرجت هيبة السلطة، وتدحرج معها كل أداء مواز، حتى صرنا أمام معضلتين عويصتين وكبيرتين جداً: إذا كان البنيان المؤسساتي ضحيّة صافية كاملة لكل التشليع الميداني والسياسي الذي ضرب لبنان بعد جريمة 14 شباط 2005، فإن المعروض من بنيان يدّعي تقديم بدائل تحت خانة الإصلاح تارة، وتحت خانة الممانعة تارة أخرى، لا يبشّر إلا بشطط مدمّر بطريقة ألعن مما سبق وبدءاً من أساساته!

غير أن ذلك يبقى آنياً ومرحلياً، ويمكن أن يتكفّل الزمن أو تقلّب أحوال الدنيا بعلاجه بطريقة لا يمكن التكهن بطبيعتها راهناً. لا بالحساب، لا بالتبصير ولا بالتنظير الخطير.. مع الافتراض المسبق بطبيعة الحال، أن ذلك العلاج لن يكون هيّناً أو خالياً من ألم، أو طبيعياً وتلقائياً.

في إطار ذلك الشطط يخرج من يتحدث بلغة مسبوكة من فجاجة واضحة، ومن افتراض علو فوق الآخرين و"الأغيار"، بل من افتراض قدرة على القول والفعل من دون حساب واعتبار إلا لقدرات عسكرية وأمنية وتنظيمية خاصة… ورغم التكرار الممل للكلام عن قلّة اتعاظ الآنيين بالسابقين، فإن ذلك التكرار يبقى أفضل من صمت وكبت لا يفيدان بشيء. ويبقى في كل الأحوال والأهوال واجباً مقدّساً يفرض القول في خواتيمه: إن الشمولية مدرسة دمّرت نصف الكرة الأرضية، لكنها انتهت في أرضها. ومن يستعيرون اليوم كتبها و"آدابها" ليسوا إلا تلامذة فاشلين في تلك المدرسة المنتهية الصلاحية..!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل