لماذا اغتيل معوّض يوم الاستقلال ولماذا استقال الحسيني من النيابة ؟
هل في استطاعة من بقي تنفيذ ما تبقّى من الطائف؟
بعد مرور 21 سنة على اتفاق الطائف صار معارضوه من المطالبين بتنفيذه تنفيذاً دقيقاً كاملاً، فيما اهل هذا الاتفاق، بعضهم خسر النيابة، وبعضهم اغتيل، كالرئيس رينه معوض، او استقال من النيابة، وهو ما فعله الرئيس حسين الحسيني احتجاجاً على عدم تنفيذ هذا الاتفاق كاملاً او على سوء التطبيق والممارسة. فهل في استطاعة من يطالبون الآن تنفيذُ ما بقي من هذا الاتفاق ومعظمهم من غير اهله الاصيلين والاصليين؟ وهل هم قادرون على ذلك حماية للاستقلال الثاني وللجمهورية الثانية؟
لقد اغتيل اتفاق الطائف يوم اغتيل رينه معوض، لان هذا الاتفاق جاء به اول رئيس للجمهورية الثانية وفي يوم عيد الاستقلال، كي لا يبقى من الطائف سوى العنوان، ومن الاستقلال سوى الذكرى… اغتيل رينه معوض لانه اعلن في خطاب القسم التزامه بنود الوثيقة التاريخية وحرصه على تنفيذها تحقيقاً لعهد من المحبة والوئام والتقدم الاجتماعي والانصهار الوطني والانفتاح الانساني. اغتيل رينه معوض لانه رجل وفاق وتوفيق كان سيعمل لجمع الكلمة وتوحيد الصف ورفض التفرقة ولإنجاز المصالحة بين اللبنانيين على اختلاف المشارب والاتجاهات، مصالحة لا تستثني احداً، حتى ولا اولئك الذين يصرون على استثناء انفسهم منها، لان المصالحة في نظره هي ملك الجميع وتتسع للجميع، ولانه دعا كل اللبنانيين، اينما كانوا، للانضمام الى مسيرة السلام والبناء تحت شعار الوفاق وتكافؤ الفرص والعدالة والمساواة، كما دعا جميع القادة والزعماء والفاعليات واصحاب المواقع والمواقف إلى أن يستوحوا مصلحة الوطن العليا ويستلهموا ضمائرهم ويضعوا ايديهم في يده واكتافهم الى كتفه، لان الحصاد وفير والفَعَلة قليلون، ولانه قال: "ليعلم كل واحد منا انه سيظل ناقصاً اذا اصر على البقاء وحده ورفض اخاه وتنكر له وانكر عليه دوره في الخدمة. ففي صدر الوطن واحضانه مكان للجميع"، ولانه قال ايضاً: "ان الوطن في حاجة الينا جميعاً، فلنضع حداً نهائياً للعنف والاقتتال، وليَكُفَّ الجميع عن الاحتكام الى السلاح، ولنعد الى الكلمة السواء، اذ من حق شعبنا ان يستعيد فرح الحياة، ومن حق اطفالنا ان يولدوا في اجواء الامن والحرية والسلام وان نعيش كلنا في هناء وصفاء ضمن اطار نظامنا الديموقراطي البرلماني الحر الذي يلائم طبيعتنا وينسجم مع الشخصية اللبنانية".
لقد اغتيل رينه معوض لانه اعلن تصميمه على جمع اجزاء الوطن واستعادة السيادة الكاملة عليها واحلال السلام فيها، مؤكداً انه لن يخلد الى الراحة الا وقد قامت الجمهورية الجديدة المكتملة الشروط والمواصفات منيعة الجوانب ثابتة الاركان محاطة بدعم عالمي اجماعي ودعم دولي كامل، ولانه عاهد اللبنانيين على جعل الامن يستتب في آخر بقعة، وجمْع آخر قطعة سلاح خارج القوات المسلحة الشرعية، ووقف اي تجاوز وقمْع اي ارتكاب واعادة كل حق الى نصابه وكل ملك الى اصحابه، وانه لن يرتاح الا وقد تم اعمار ما تهدم واسكان من هُجَّر وعلى اعادة من هاجر تحت وطأة الحاجة والضغط التماساً لنجاة من خطر او طلباً لرزق وراء البحار، ذلك ان الهجرة القسرية الى خارج الوطن هي كالتهجير في داخله، اهدار للطاقة واذلال للكبرياء.
وفي كلمته في ذكرى الاستقلال، وهي آخر كلمة له قبل اغتياله، وربما لم تعجب من اغتالوه او من هم وراءهم، قال: "ان الاستقلال هو عمل كل يوم ويحتاج الى جهد كبير وسعي طويل لكي يعود ويكتمل ويتوطد وان ندرك معناه ونبدأ السير في اتجاهه معتصمين بوحدتنا، ممسكين بالديموقراطية نظاماً وبالحرية نهجاً، فالتاريخ لا يلغى بقرار. فالثاني والعشرون من تشرين الثاني سيبقى يوم الاستقلال، وسنحوّله من ذكرى الى عيد، وبالايمان والمحبة، وبالتعاون والتضامن، نمحو الحزن وننتصر على اليأس ونستعيد شرف الانتماء هوية واحدة لارض واحدة". وختم كلمته بسؤال: "هل نحب هذا الوطن؟ اعرف الجواب، فتعالوا اذن نتحد، لنبني معاً، لنفرح ونعيش في جمهورية جديدة، هي جمهورية المؤسسات التي نحرص على تعزيزها والسهر على ان تؤدي ادوارها وتمارس صلاحياتها ومهامها بتوازن وانسجام ومشاركة في المسؤولية وفقاً للاصول الدستورية، فالدولة لا تنهض الا بوحدة مؤسساتها وتكامل سلطاتها وتعاون ابنائها واحترام انظمتها وتطبيق قوانينها". واما الرئيس حسين الحسيني، عرّاب اتفاق الطائف، فأبى الا ان يكون له موقف من الذين مزّقوا الدستور وخالفوا القوانين وعطّلوا تطبيق هذا الاتفاق ورأى ان المؤسسات السياسية والاصول التقليدية المتّبعة لم تعد تشكل اداة صالحة للنهوض بلبنان في جميع الميادين، والمؤسسات تجاوزتها الانظمة الحديثة في كثير من النواحي سعياً وراء فاعلية الحكم، والقوانين الانتخابية فرضتها احداث عابرة ومؤقتة، والنظام الاقتصادي سهّل سوء تطبيقه قيام الاحتكارات، وبات الوطن امام حالة دفعت الى عنف السلاح والمال، معتبراً ان كل عنف اكراه، ومع تفتيت السلطة السياسية لا يمكن وضع اي استراتيجية، سياسية كانت او اجتماعية او اقتصادية، طالما لم تقم الدولة، فكانت له كلمة صريحة واضحة في جلسة مناقشة البيان الوزاري (12/8/2008) اعلن فيها استقالته من عضوية مجلس النواب، لانه لم ير في حياته السياسية تمزيقاً للدستور كهذا التمزيق، حيث "ندفع بنص الدستور الى ان يكون استهزاء بروحه، وانه لامر محزن حقاً ان يستمر هذا المشهد كأننا لم نتعلم من تجارب الماضي. وكأننا نريد دولة بلا مؤسسات ووطناً بلا مواطنين"…
وباغتيال الرئيس رينه معوض، رئيس دولة دستور الطائف، اول رئيس للجمهورية الثانية، وباستقالة الرئيس حسين الحسيني من عضوية مجلس النواب، وهو عرّاب الطائف، هل في استطاعة من تبقى من اهل الطائف تنفيذ ما بقي منه تنفيذاً دقيقاً كاملاً وتطبيقاً سليماً، مثل: قانون للانتخابات النيابية يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين ويؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل، وتطبيق اللامركزية الادارية الموسّعة، واعتماد خطة انمائية موحدة شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها اقتصادياً واجتماعياً، والغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية واعادة النظر في المناهج التربوية بما يعزز الانتماء والانصهار الوطني وتوحيد الكتاب في مادتي التاريخ والتربية الوطنية، واعادة تنظيم وسائل الاعلام في ظل القانون وفي اطار الحرية المسؤولة، وحلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة كي تستطيع بسط سلطتها على كامل اراضيها، وانشاء مجلس للشيوخ، واصدار القوانين التطبيقية للدستور والميثاق، والتي لم تصدر حتى الآن.
هل في امكان من تبقى من اهل الطائف تطبيق ما بقي من بنوده في دولة تضيق برجالها وبالكبار فيها، فيخرج منها من يرفضون العيش خارج دستورها وقوانينها، ويُغتال فيها رجال الدولة والوطن على ايدي من لا يريدون ان يقوم في لبنان دولة ولا وطن بل شبه دولة ومشروع وطن، وها هم انفسهم يحاولون وضع العصي في دواليب عجلة عهد الرئيس سليمان، وهو الرئيس التوافقي الذي صار اتفاق عليه باجماع داخلي وخارجي، وها ان المعرقلين والمشاكسين يتفقون على محاصرته بتعطيل كل وسائل النهوض بلبنان كي لا يبقى سيداً حراً مستقلاً بل تابعاً وخاضعاً للوصايات…