لا تكفي سياسة <المراوحة والمهادنة> التي تلتزم بها الأطراف السياسية المعنية، بانتظار ما ستسفر عنه المشاورات السعودية – السورية من مخارج أو تسويات للأزمة الراهنة في لبنان··،
ولا يجوز التسليم بواقع تعطيل الدولة والمؤسسات، بدءاً من عرقلة إقرار مشروع الموازنة، وصولاً الى تعطيل مجلس الوزراء وجلسات الحوار، بحجة الخلاف على إحالة ملف شهود الزور الى القضاء العادي أم الى المجلس العدلي··،
ولا مبرر لاستمرار السكوت عن تفاقم الأوضاع المعيشية في البلد، والإمعان في تجاهل الأزمات المتشابكة التي ترزح تحت وطأتها الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، الذين تتزايد أعداد المنزلقين منهم الى تحت خط الفقر··!
فثمّة مسؤولية وطنية وتاريخية ملقاة على عاتق القيادات السياسية والحزبية، للإسراع في العمل على إخراج البلاد من المأزق الحالي، وإشاعة أجواء من الثقة والاطمئنان للعباد الذين تفترسهم مشاعر الحذر والقلق كلما سمعوا خطاباً من هنا، أو تصريحاً سياسياً من هناك!
* * *
ومما يزيد من إرباك الأكثرية الساحقة من اللبنانيين إدراكهم بأن البلد واقع بين فكّي عجز القيادات السياسية عن التحاور في ما بينها، بحثاً عن صيغة خلاقة للتسوية أو الحل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تشابك العوامل الاقليمية حول الملفات الساخنة في المنطقة، بما فيها الوضع اللبناني ومتفرعاته المختلفة، وفي مقدمتها المحكمة الدولية، وما يتردد عن قرب صدور القرار الظني، وما قد يتضمنه من اتهامات لافراد على علاقة بحزب الله·
ويبدو واضحاً بأن الوطن الصغير اصبح رهينة هذا الواقع المتأزم، والذي لا يبدو ان ثمة مخرجاً منه، قبل توصل المشاورات السورية – السعودية الى صيغة تحظى بدعم الاطراف الاقليمية والدولية المعنية، وتُرضي الافرقاء اللبنانيين!
فهل يعني ذلك بأن البلد سيبقى أسير الشلل الحكومي الحالي·· بانتظار ساعة الفرج؟
* * *
الواقع ان قوى 8 آذار اعتادت التعامل مع الملفات الخلافية بأسلوب التعطيل عمداً وكرهاً، دون الأخذ بعين الاعتبار المضاعفات السلبية الجسيمة التي ترتد على الواقع الاقتصادي للبلد، والتداعيات المرهقة التي تزيد الوضع المعيشي تردياً بالنسبة لأكثرية اللبنانيين·
وهو ما حصل في سنوات الانقسامات السوداء الفائتة، حيث تم تعطيل مجلس النواب، وجرى الانسحاب من الحكومة بهدف تعطيل جلسات مجلس الوزراء، واحتلت الاعتصامات وسط العاصمة التجاري، وتم تعطيل حركة الطيران اكثر من مرة، وصولاً إلى استخدام العنف المسلح يوم 7 أيّار الأسود·
واستناداً إلى ما حققته تلك الممارسات من <مكاسب> لقوى 8 آذار، ثمة فريق من المعارضة السابقة يريد أن يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يُهدّد العماد ميشال عون بالعودة إلى الشارع واستخدام العنف المسلح مرّة أخرى، ليس بهدف الوصول إلى تسوية مقبولة، بل للعمل على فرض أمر واقع جديد في المعادلة السياسية، هو في الواقع <انقلاب شامل> على اتفاق الطائف، وموازين العيش المشترك، وإخراج الأكثرية الحالية من السلطة، وتفرّد الأقلية بالسيطرة على مقدرات البلاد و··العباد!!·
لا ندري إذا كانت قيادة حزب الله متحمسة، أو على الأقل مقتنعة بهذه المغامرة، التي سبق لعون وخاض أقل منها خطورة، في حربي التحرير والالغاء عامي 1989 و1990، ولكن في كل الحالات فان التفكير بمثل هذه الخطط الهوجاء يعني التخطيط لزج البلد في حرب أهلية جديدة تكون الخاسر الأكبر والأول فيها المقاومة، والرابح الأوّل والأكبر هو العدو الإسرائيلي·
والمسألة لا تحتاج إلى كثير من الشرح والتفسير، فدروس الحرب الداخلية التي خاضتها المقاومة الفلسطينية على الأرض اللبنانية، وما آلت إليه نتائجها من هزائم وانكسارات وتشتت للمقاومة وقياداتها، ما زالت ماثلة في الأذهان!·
كما وان ذاكرة اللبنانيين، وخاصة المسيحيين، ما زالت تحفظ اهوال القتل والدمار والخراب الذي أصاب لبنان، وخاصة المناطق المسيحية في <حرب التحرير> التي خاضها عون ضد سوريا، وما تلاها من <حرب الإلغاء> التي زج بها الجيش اللبناني ضد القوات اللبنانية، محاولاً التفرد بالسيطرة على المناطق المسيحية!
* * *
مرة اخرى··، لا بد من العودة الى العقل والحكمة، ونبذ افكار المغامرات والتهور!
ولا بد لحلفاء حزب الله ان يدركوا جيداً، انه لا مصلحة للحزب بالتفريط بالوضع القائم، ولا بالمعادلة الحالية، لان الحزب يدير اللعبة السياسية في هذه المرحلة، دون ان يتحمل اعباء السلطة، كما هو الوضع منذ فترة مع حركة <حماس> في قطاع غزة·
ولا بد لحلفاء الحزب، وفي مقدمتهم العماد عون، ان يعلموا ان لا مصلحة لحزب الله، ولا للدولة الايرانية ولا حتى لشعارات المقاومة ونهجها، في الانزلاق نحو حرب داخلية، ولا الانجرار في فتنة مذهبية، تقضي على رصيد المقاومة في العالمين العربي والاسلامي، وتحبط المحاولات الايرانية في التواجد في القضايا والمجتمعات ذات الاكثرية السنّية في العالمين العربي والاسلامي·
واذا كان البعض·· يتذرع بتداعيات القرار الظني والمحكمة الدولية لتحقيق احلامه المستحيلة، عبر سلاح حزب الله، فإن الحكمة تقضي بضرورة الحذر والتنبه من الهروب الى الأمام، والرد على <خطأ ما> بخطأ أكبر!
·· وصدور القرار الظني ليس نهاية العالم، ومواجهة تداعياته ممكنة وفاعلة اذا اتفق حزب الله وتيار المستقبل على تفويت الفرص على المصطادين في المياه العكرة، سواء أكانوا من <صغار المحليين او كبار الاقليميين والدوليين>، وتلقف التسوية الآتية من دمشق والرياض·