بعد التأكيدات الجازمة التي أطلقها وزير الدفاع الياس المر، وقائد الجيش العماد جان قهوجي لمناسبة الذكرى 67 لعيد الاستقلال من أن السلم الاهلي خط احمر لا يمكن لأي فئة القفز فوقه، وان الامن حق من حقوق المواطن، وان كلفة المحافظة على الامن تبقى اقل بكثير من الفتنة، وبعد سهر رئىس الجمهورية العماد ميشال سليمان على بقاء لغة الحوار والاعتدال والعقل هي السائدة بين جميع فئات الشعب اللبناني، لم يجد المراقبون مبرراً أو داعياً لأن يقول العماد ميشال عون في جمع من الطلاب ان التيار متحسب لأي طارىء، وهو قادر على الدفاع عن نفسه وحماية مناطقه، الا اذا كان العماد يريد ايصال رسالة الى خصومه المسيحيين بان التيار يملك السلاح الكافي للدفاع عن وجوده، مع انه وفي اللقاء ذاته اكد ان «مناطقنا»، وكان يعني بالطبع المناطق المسيحية، ستبقى هادئة وبعيدة عن العنف، لأن لا أحد يملك السلاح القادر على المواجهة حتى عند القوات اللبنانية، وكأن عون يملك معلومات بان المناطق غير المسيحية ستشهد اضطرابات امنية بين السنة والشيعة، وان هناك خطة موضوعة لمنع مسيحيي 14 آذار حتى من اعلان تضامنهم مع حليفهم تيار المستقبل واجبارهم بقوة السلاح على الهدوء وملازمة منازلهم.
اذا كانت الدولة برموزها الاساسية، وخصوصاً رئىس الجمهورية ووزير الدفاع وقائد الجيش، اعلنوا بوضوح التزامهم حماية اللبنانيين جميعهم، دون ان يميّزوا بين طائفة وطائفة ومنطقة ومنطقة، فلماذا اذن يعمد العماد عون الى الفصل بين منطقة وأخرى، واعتبار هذه المنطقة آمنة والثانية مضطربة، دون ان يخفي استعداده لاقامة حماية ذاتية بعيداً عن حماية الجيش والاجهزة الامنية الاخرى، الا اذا كانت خطة المعارضة استفراد كل منطقة على حدة، تسهيلاً للاستيلاء عليها واخضاع اهلها الى سلطتهم السياسية.
مسيحيو 14 آ ذار اعلنوا بصراحة انهم معنيون بما يحدث على الساحة اللبنانية مثلهم مثل أي فريق آخر، وان محاولات سلخهم عن حليفهم رئيس الحكومة سعد الحريري فاشلة حكماً، مثلما فشلت محاولات سلخ الحريري عنهم، لذلك اذا كان قصد تكتل 8 آذار الوصول الى هذه النتيجة، فمن الأفضل، وفق مصادر سياسية معنية، ان يقرأ العماد عون وحلفاؤه هذا التخطيط، لأن المناطق المسيحية عندها قد تكون اكثر التهاباً من المناطق الأخرى، اذا تلكأ الجيش والقوى الشرعية الأخرى عن أخذ الامور بأيديهم، كما وعدوا، وقبل ان «يفلت الملقّ» الى حدّه الاقصى.
*******
ان الاستقلال الذي يحتفل به اللبنانيون اليوم، لم يكن يوماً من الايام، استقلالاً كاملاً ناجزاً قائماً، واذا كان يوم نيله في 22 تشرين الثاني من العام 1943، لم يعمّد بالدم الغزير، كما يحدث عادة في انتفاضات انتزاع الاستقلال، فان الأيام التي تلت ذلك التاريخ، شهدت سفك دماء مئات الوف اللبنانيين الذين كانوا يفتشون عن نظام سليم متكامل قابل للحياة، يؤمّن ديمومة الاستقلال بعيداً عن التدخلات الخارجية والخلافات الداخلية، ويمكن القول في هذا المجال، وبصراحة تامة ومن دون مواربة، ان المسيحيين اللبنانيين دفعوا الثمن الاعلى، وليس الاغلى، لأن كل الدماء غالية، للمحافظة على هذا الاستقلال، الذي كانوا يدافعون من خلاله عن الحرية والكرامة والسيادة. وهي المبادىء والثوابت التي نشأوا عليها منذ بدايات وجودهم على ارض لبنان وتعود الى حوالى ألفي سنة، ولا يمرّ يوم وعلى مدار السنة ربما، لا يحتفل فيه المسيحيون بذكرى شهيد لهم، سقط وهو يدافع عن الاستقلال والحرية والسيادة، فامس كانت ذكرى استشهاد عريس 14 آذار بيار امين الجميّل، الحلم الثاني الذي سقط بعد استشهاد الرئيس بشير بيار الجميل، واليوم، يحتفل بذكرى استشهاد الرئيس رينيه معوض الذي اغتيل بأيدي اعداء لبنان في يوم الاستقلال، فاعطت دماؤه قيمة اضافية للاستقلال والسيادة وحرية القرار اللبناني.
المسيحيون، باكثريتهم الساحقة، طلاب حرية، وجنود كرامة وحراس استقلال، قلّوا ام كثروا، حَكموا او حُكموا، لا يمكن ان يتنازلوا عن عنفوانهم وكبريائهم الوطنية وقيمهم العالية في تجسيد العيش المشترك الذي توارثوه منذ الاف السنين، ولذلك فان الاستهتار بالمسيحيين، هو استهتار بجميع هذه القيم، واي مسيحي يشذ عن القواعد التي تحكم حياتهم في لبنان والشرق من حيث التعلّق بالدولة والكنيسة والحرية وقبول الآخر، هو الشواذ لا القاعدة، ولا يبنى عليه ولا مستقبل له.