كتب ابرهيم الدسوقي في "النهار" الإثنين 22 تشرين الثاني 2010: بعدما كشف العنصر المتطوع عن وجهه وهو يمسك بيد وزير الداخلية بشارة مرهج لحظة اخراجه من نافذة مكتبه عبر سلم حديد، عقب حريق شب في مبنى الوزارة، وبعدما تعرف عليه وهو العنصر عينه الذي كان قد هنأه لشجاعته في انقاذ مواطنين علقوا في حريق قبل اسبوع، كرر وعده الذي قطعه يومها بالسعي الى تثبيت المتطوعين في الدفاع المدني تقديرا لجهودهم.
اكثر من خمسة عشر عاما مرت على هذه الواقعة، ولا يزال هذا الشاب متطوعا ولم يتحول حلمه في التثبيت الى واقع بعد، برغم تكرار الوعود في كل العهود المتعاقبة.
بات متطوعو الدفاع المدني مقتنعين تماما بان "لا تثبيت ولا من يحزنون"، لا بل يذهبون الى ابعد من ذلك، ويعتقدون ان هناك توجها لضرب مؤسسة الدفاع المدني والتخلص منها، ولا يرون في وعود التثبيت الا اوهاما موسمية تتزامن مع موسم الحرائق، لحث الشباب على القيام بمهمات الاطفاء والنجدة، لكن الوضع يبقى على حاله.
اكثر من علامة يلاحظها "الشباب" تشير الى ان التخلص من الدفاع المدني قد بات عملية ممنهجة وتجري على قدم وساق، بعكس الوعود التي تغدق موسميا، واهم هذه العلامات الغاء المقسم 125 من المناطق وحصره فقط في المركز الاساس في عين الرمانة، حتى تستغني عنه الناس تدريجا.
ويؤكد عدد من المتطوعين ان عامل الهاتف في القسم 125 يقوم احيانا بالرد على المتصلين ويطلب منهم الاتصال بالصليب الاحمر، هذا في حال قام بالرد على المكالمة. واذا اخذ الامر على محمل الجد يستغرق الامر وقتا طويلا حتى يقوم المركز بتبليغ الفرع بالمهمة. "في احدى المرات أُبلِغنا عن حريق في المنارة"، يروي احد المتطوعين، "فخرجت عربة على الفور وتوجهت الى المنطقة المذكورة، وهي لا تبعد كثيرا عن المركز، فجالت في المنطقة ومشّطتها في شكل كامل وهي تطلق صفاراتها، ولما لم يُفِدْ اي من المواطنين عن ان هناك حريقا في المنطقة، عاود المتطوعون الاتصال بالمركز للاستفسار عن مكان الحريق، فابلغوا بان الحريق في منطقة المنارة في طرابلس وليس في بيروت!"
هذا غيض من فيض عن روايات شباب مركز 90، المركز الاكبر للدفاع المدني في بيروت، الواقع في منطقة الكولا، والذي كان مقره سابقا في الطريق الجديدة.
في غرفة لا تتجاوز مساحتها ستة امتار يجلس نحو عشرة شبان، اثنان منهم، هما الأكبر سنا، يمارسان لعبة طاولة الزهر الى جانب مكتب يجلس خلفه شاب، وتزين الحائط خريطة، والى جانبه اجهزة اتصال وهاتف.
وعلى احد الاسرّة يجلس شابان يشاهدان التلفزيون، وآخر يلهو بجهاز كومبيوتر شخصي محمول، فيما جلس شابان يخبراننا عن "الدفاع المدني"، وفي خضمّ الحديث كان باقي الموجودين يعلّقون، لتصحيح رواية او الزيادة عليها او التذكير بتفاصيل تجاوزها الراوي او برواية اضافية.
يؤكد هؤلاء الشباب ان كل ما هو موجود داخل الغرفة قاموا بتأمينه على نفقتهم: "نحن نجمع من بعضنا البعض لندفع رسم اشتراك "الدش" كما ندفع رسم اشتراك للانترنت، فيتذكر آخر كيف ان هذه المجموعة هي التي قامت ببناء المركز باكمله، بغرفه وساحته، بعدما قدمت بلدية بيروت الارض، وبعد تدخل من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكيف ان المشروع نام في أدراج رئيس البلدية السابق لاعوام.
هؤلاء الشباب الذين انضم اغلبهم الى الدفاع المدني منذ ايام الحرب الاهلية، في وقت قرر فيه شباب آخرون الانتماء الى الميليشيات التي تحرق وتقتل وتدمر، ارادوا ان يكونوا الجهة التي تسعف وتساعد وتضمد: "منذ ان تطوعنا في الدفاع المدني ونسمع من الذين قبلنا عن الثبيت. كثر انضموا وكثر رحلوا وبقيت الوعود".
هذه الرواية تستدعي على الفور سؤالا بديهيا: "رغم انكم لم تعودوا مؤمنين بأنكم ستثبتون، لماذا لا تزالون هنا وتضيعون وقتكم؟"، فتأتي الاجابة من اكثر من شخص في الوقت عينه: "اعتدنا على بعض، واعتدنا هذا العمل وبات جزءا من حياتنا، حتى من دون مقابل"، ويكمل احدهم "بعضنا يمضي هنا اكثر مما يمضي في بيته"، ثم يستشهد بشاب يعيش في المركز في شكل دائم وهو متطوع.
احد الشبان يعمل في مطعم رغم انه متطوع في الدفاع المدني منذ 12 عاما، يقول: "اصبت اثناء القيام بواجب الانقاذ في المدينة الصناعية يوم وقع تفجير هناك، وعلاجي تم على نفقتي الخاصة ولم يسأل عني احد، وبرغم ذلك لم انقطع عن واجبي لاني احب هذا العمل وهو عمل انساني وشريف، واقوم به من منطلق الواجب من دون ان انتظر اي مقابل". ويستشهد بزميل له يجلس قبالته وهو اب لطفلتين "اصيب بأزمة قلبية اثناء احداث 7 ايار، ولم يتم علاجه، كل ما في الامر انهم اعطوه 500 الف ليرة تعويضا".
ويتدخل شاب آخر ليروي كيف انه يوم سقطت الطائرة الاثيوبية في البحر وكان في عمله فجرا، ترك مكان عمله وانضم الى الفريق الذي خرج في مهمة الانقاذ والتي استمرت اسابيع. ويتذكر زميل له احداثا مشابهة فيقول "ياما كنت اترك شغلي واحيانا ارباب العمل يرفضون عودتي مجددا، كل ذلك من اجل مهمات في الدفاع المدني، ولكن الآن لم اعد كذلك".
في المركز الذي يضم 4 سيارات اسعاف وسيارة اطفاء صغيرة (4 طن) وجرافة بوبكات، تحكم المتطوعين تراتبية هرمية واضحة: رئيس المركز، رئيس العمليات، ضابط خدمة وعمليات، ضابط مناوب، مجموعات المتطوعين. ووفق العرف، فان الأقدم في الخدمة هو من يتولى قيادة سيارة الاسعاف اثناء الخروج في اي مهمة. وهنا يستطرد احد الشبان لينفي ما يتم تداوله من انه يسمح لمن لا يحملون اجازات سوق بقيادة السيارات، فيؤكد ان هناك دورات قيادة سيارات اسعاف لا يسمح لمن لم يجتازها بان يجلس خلف المقود لاي سبب او في اي ظرف.
وتصل شكاوى بعض المتطوعين الى حد انه يخرج من الغرفة الى غرفة مجاورة ويحضر حقيبة حمراء ويفتحها ليبدأ زملاؤه بالضحك، تندرا على حقيبة الاسعافات الاولية التي قام هذا المتطوع بشرائها من ماله الخاص كما اشترى كل ما فيها من لوازم اسعاف اولي، وهو يخرجها معه في المهمات، ويسأل: "هل يعقل في اي بلد في العالم ان يقوم المتطوعون في الدفاع المدني بشراء هذه اللوازم من مالهم الخاص!"
ويؤكد ان بعض البلديات بدأت تنفق على المتطوعين في المراكز التي يقعون ضمن نطاقها، ومنها بلديات الغبيري وحارة حريك على سبيل المثال، الا ان ذلك غير قائم في العاصمة. الامر ان كل متطوع يحصل سنويا على بزّة من قيادة الدفاع المدني، بعدما جرى تغيير اللون من الزيتي الى الكحلي في عام 2003.
ولان غالبية المتطوعين امضوا في الخدمة اكثر من عشرة اعوام، فان كلا منهم يحتفظ بمجموعة شهادات من دورات محلية وخارجية في الاطفاء والاسعاف وغيرها من مهمات الدفاع المدني، وهي شهادات سمحت لكثيرين منهم ان يحصلوا على وظائف في شركات الاطفاء او في شركات امن خاصة او في حقول النفط في دول الخليج. اما الذين لم يغادروا فيؤكدون انهم تلقوا بدورهم مثل هذه العروض، الا انهم رفضوها رغم انهم لن يثبَّتوا في المدى القريب.
هو امر يجهلون هم انفسهم سببه، وسؤال لا يعرفون الاجابة عنه. ومن قال ان كل الاسئلة لها اجابات؟