22 تشرين الثاني مناسبة تتحول شيئا فشيئا الى محطة تأمل وتحسر على وضع لبنان الحالي بعد 67 سنة من نيله استقلاله من الفرنسيين، فيطرح السؤال المشروع والمحق: ما الذي يجعل لبنان يدرك استقلاله الفعلي يوما؟
الاجابة متشعبة المسالك والمحاور ولكن اهم ما يجب علينا ان نضمنه جوابنا على السؤال مسلمات – حقائق مستخلصة من عصارة التجربة اللبنانية التاريخية منذ فجر الاستقلال الى يومنا هذا.
فلكي يكون لبنان مستقلا بحق يجب ان يكون ابناؤه مقتنعين بأن لبنان لهم ولهم وحدهم. فلا هو مشاع مشترك مع الغير ولا هو فندق صيفي او ملتقى للمصالح وتقاسم المغانم، ولا هو وجهة نظر لدى بعضهم كما فكرة الدولة والمؤسسات ومفهوم السيادة والاستقلال والحرية.
لكي يكون لبنان مستقلا بحق يجب ان يؤمن اللبناني باخيه اللبناني ويثق به فيصبح المسيحي اكثر اسلامية والمسلم اكثر مسيحية في تصديهم للقضايا الوطنية المصيرية. ففهم المسلم لهواجس ومخاوف المسيحي وحمله للوائها ومبادرته قبل المسيحي من اجل معالجتها يجب ان يقابله المسيحي بفهم متطلبات وهواجس المسلم ومبادرته بالطليعة لمعالجتها من منطلق حفظ الوطن للجميع وتأمين المشاركة الوطنية الواسعة للجميع.
لكي يكون لبنان مستقلا بحق يجب ان يقتنع كل لبناني ان لبنان هويته وعقيدته وهدفه ومبرر وجوده السياسي والانساني في هذا الشرق – فيجب الا ينظر بعض اللبنانيين الى لبنان كانه مختبر تجارب مصالح الاخرين فيه او مشروع شراكة تجارية ربحية تضمن حصص ومكاسب على حساب الولاء والتبعية للاخرين.
لكي يكون لبنان مستقلا بحق يجب ان يحترم اللبناني خصوصية اخيه اللبناني الاخر وان ينأى عن القيام بما يضر شراكته الوطنية التي يجب ان تكون الاولوية الاولى في مسيرة دولته – فلا يحدد اي فريق مصلحة البلاد بمعزل عن رؤية ووجهة ونظرة الفريق الاخر ومصالحه – فمصلحة لبنان العليا هي مجموع مصالح ابنائه كل ابنائه لا فئة منهم على حساب الفئات الاخرى.
لكي يكون لبنان مستقلا بحق يجب ان يكون كل لبناني لدولته ومسؤول عن قيامها وتقويتها وبنائها على اسس العدالة والديمقراطية واحترام الخصوصيات والتعددية الفكرية والدينية والحضارية وبناء المؤسسات وسيادة القانون على الجميع بالمساواة. فحضارة لبنان مجموع حضاراته وثقافاته الدينية والفكرية والعلمانية وهي هذه الميزة الفريدة التي تميزه عن مختلف دول العالم وصيغ العيش المشترك بين ابنائه.
لكي يكون لبنان مستقلا بحق يجب الا يحكم من الخارج ولا ان يتحكم الخارج به عبر الداخل. فمعادلة الا يحكم لبنان من الشام ولا تحكم الشام من لبنان يجب ان تتبعها معادلة اخرى ان لا يحكم لبنان لصالح الشام من خلال ابنائه في الداخل، ولا ان يحكم لبنان لصالح ايران من خلال ابنائه في الداخل، ولا ان يحكم لبنان لصالح الغرب من خلال ابنائه في الداخل، ولا ان يحكم لبنان من اي جهة خارجية بادوات الداخل.
لكي يكون لبنان مستقلا بحق يجب ان يدرك اللبناني اهمية دور لبنان في العالم: فاولى لبنات التحصين الداخلي للبنان تبدأ بفهم اللبناني لاهمية وجود لبنان له ولمحيطه بالشكل الذي هو فيه. فلبنان من دون مسلمين "غيتو" منعزل وفاقد الامل بالحياة في محيط مختلف تماما لا بل مشروع اسرائيل ثانية. ولبنان من دون مسيحييه قطعة من ارض عربية اسلامية لا تقدم ولا تؤخر في انارة الحضارة العالمية والانسانية الى فرص التفاعل والعيش المشترك بين اكثر من حضارة واكثر من طائفة ومعتقد ديني. فلبنان لا يكون فريدا ولا يكون دوره مميزا الا باقتناع ابنائه اولا به وبدوره.
لكي يكون لبنان مستقلا بحق يجب الا ننظر الى الاخر ليساعدنا بل ان نساعد انفسنا – فالغير مهما كانت درجة اهتمامه بنا كبيرة الا انه لا يهتم الا من منظار مصالحه اولا – فاين مصلحتنا نحن اللبنانيين اذا؟ يجب ان لا نقول ان لا دولة في لبنان بل يجب علينا ان نقول ونتعهد بان الدولة في لبنان اتية وباقية الى الابد – ونعمل على تأمين مقومات قيامها و حياتها واستمرارها وتطورها – فما نفع لبنان ان آمن ابناؤه بانه جسد لم تعد تنفعه المحاولة الجدية الجديدة؟
لكي يكون لبنان مستقلا بحق ينبغي ان نفكر لبنانيا ونعمل لبنانيا ونعيش مع بعضنا لبنانيا ونختلف حول ما هو الافضل والاهم والاقوى للبنان بدل الاختلاف على ما يكون الافضل والاقوى للاخرين على حساب الوطن وبقاء الوطن – فلا يرضى لبناني لاخيه اللبناني ما لا يرضاه لنفسه – ويفعل اللبناني بالاخر ما لا يحب ان يفعل به هو.
لكي يكون لبنان مستقلا بحق يجب ان لا يرى اللبناني الا في علم بلاده وفلسفة وطنه وتاريخ دولته حقيقة انتمائه واساس ولائه. ففي الغرب كما في اوروبا – حتى الاحزاب الشيوعية ايام الحرب الباردة – كانت تعمل على تطويع شيوعيتها في خدمة وطنها. بينما في لبنان ثمة احزاب وفئات تعمل على تطويع مصالح لبنان على ارض لبنان خدمة لاوطان اخرى او دويلات اخرى لا تمت بصلة الى لبنان وجوهر وجوده.
ولكي يكون لبنان مستقلا بحق يجب ان نتوقف عن انتظار ما يأتينا من الخارج لتسوية امورنا على اساسه – فويل لامة تنتظر من الاخرين ان يقرروا مصيرها وينتظرون من الاخرين ان يصالحوا بين ابنائها.
رسائل نوجهها وخواطر نسجلها برسم التاريخ … فمن له اذنان سامعتان فليسمع.
