بلا مقدمات ومن دون عواطف وتورية. نعم، الوطن في خطر داهم يهدده في بنيته الأساسية ونظامه الديمقراطي. نعم، الوطن على شفير الإنهيار التام تحت أسماء وشعارات أصبحت من التراث وللتراث تعود.
اليوم، ونحن نحتفل بذكرى الإستقلال نستذكر شهداء ثورة الأرز الذين سقطوا راسمين لنا وطنًا تحدّه دماؤهم، لذلك نرفع الصلاة عن نيتهم قائلين، وقبل أن نغتالهم مرّة ثانية:
وطن العيش والتعايش يهدده خطر الزوال… القيم اللبنانية في خطر، وواهم من يصور الخلاف بأنه داخلي بحت او خارجي بحت.
الأيدي الخارجية تلتقي مع الأصابع الداخلية لنسف صيغة الوطن السيد والحر، لتنبت مكانه صيغة الأوطان "المتسيّدة"، لكل جماعة وطنها وشعاراتها ودولتها، وهكذا يكون قد تم الإجهاز النهائي على الصيغة.
وبدلا من الأجتياحات السياسية قد يصار الى اجتياحات عسكرية تحت شعارات مختلفة. وما حصار بيروت، وإقفال مجلس النواب، وتأجيل انتخاب رئيس الجمهورية، واجتياح 7 ايار، وانقلاب 23 كانون، ومناورة برج ابو حيدر، الا بروفة حية على ذلك. وقصة شهود الزور ليست سوى فصل جديد يضاف الى الفصول التافهة التي سبقت.
في عز ازمة قيادة المجتمع اللبناني عموماً، والمسيحي خصوصاً، لا بد من التركيز على حقيقة ثابتة وأزلية وهي أن الإنسان هو كل شيءٍ. هذه الحقيقة قد تصفع احيانا كثيرة، لأن اكثرية هؤلاء الناس غرقوا عملياً في تفاهات، وراحوا يختبئون راغبين أو مدفوعين خلف شعاراتٍ ظاهرها حق وداخلها طعن لهذا الحق. فقد غاب عن بال هؤلاء أن السياسة فن والفن يحتاج الى فكر ثاقب وذوق رفيع. فالسياسة علم بقدر ما تلتزم بقواعده الثابتة وبمعادلاته المجربة تصل الى النتائج التي تخدم ولا تخرب.
ان المجتمعات الإنسانية افرزت عبر مسارها الطويل قواعد سياسية ثابتة وان غاب اكثرها عن مسرح السياسة اللبنانية وغابت المصداقية وغاب الكمال وأصبح علم الديمقراطية لعبة برلمانية تافهة تمارس على ملاعب العهر السياسي، وحل الجموح مكان التروي في الحركة السياسيّة، وحلت الأوليغارشية محل الديمقراطية، وحلت الشخصانية محل سداد الرأي والمشاركة، وأمست ظاهرة الشخص الإله تتحكم في كل حنايا وزوايا الحياة السياسية في لبنان وسلوكيات الحاكمين.
اذاً نحن بحاجة لرجل قائد يوقظ اللبنانين من سباتهم. نحن بحاجة لرجل لبنانه فوق كل اعتبار. نحن بحاجة لقائد يرى ابعد من انفه. نحن بحاجة لقائد صنع في لبنان.
ان توافه الأمور التي تتحكم بكل مقومات قيام الدولة الحقة تسقط امام ارادة بناء هذه الدولة، ولكن يبدو أن من باستطاعته القيام بهذا الدور صوته مبحوح ونظره شحيح وفكره في شطط.
الوطن بخطر ونحن نتلهى… الوطن الى زوال ونحن نبحث عن حصص في نعش ميت… الوطن أصبح في خبر كان ولا زلنا نبحث عن ادوات النصب والرفع والجزم…
حكومة الف ليلة وليلة ومجلس نواب بمثابة مجلس عزاء في حضرة الغائب الكبير يتقبل التعازي ولم تطرق بابه سوى تهاني الأزلام والمحاسيب.
ارض الوطن سائبة بحجة وبغير حجة. سلاح يزرع الرعب بسبب او من دون سبب. حجج واهية لا تسمّن ولا تغني عن جوع. مرة تحرير فلسطين ومرة استعادة القدس، ومرة الحرمان ومرات استعادة الحقوق. نعم، فلسطين سارت الى السلام، اما نحن فقد ولينا شرف المقاومة لتحرير فلسطين واعادة الحقوق المسلوبة. نعم، فمن الجهاد إلى حماس، ومن حزب الله الى طالبان، ومن هوغوتشافيز الى كاسترو وتشي غيفارا، اسماء نحتت لها تماثيل نصب اعيننا لنمجدها صباحا ومساء.
بإسم الحرمان حرم علينا العيش الكريم. بإسم الحقوق ضاعت حقوقنا. بإسم استعادة السلطة تسلط علينا اربعين الف صاروخ. بإسم المشاركة تحولت ساحات لبنان كلها الى اشراك. بإسم الحرية صودرت كل الحريات باستثناء حرية الفجور. بإسم العلمانية اقفلت الكنائس ومنع رفع الصلبان، هذا إذا لم نتحدث عن احتلال بيروت، وتعطيل انتخاب رئيس جمهورية، وتعطيل تأليف حكومة، ومصادرة مجلس النواب، والعروض المستمرة، والأصابع المرتفعة، والمسلسلات التلفزيونية التي تحمل فكر وفقه مجموعة إدّعت بأنها تحمل كل الحقيقة، وتمتلك كل المعرفة وانتم لستم سوى اتباع، وهذا السلاح لنصرة فلسطين واستعادة الجولان.
نعم، انها الديمقراطية المسلحة. انه العز وهذا هو الجديد في علم الديمقراطيات والسياسة. إنه تطبيق عملي ممنهج لولاية الفقيه، والاف الهكتارات من الأراضي التي يدفع ثمنها بالترغيب مرة والترهيب مرات. فالتقية علم ابدع فيه انصار الولي الفقيه.
يا امهات الشهداء واباءهم وأشقاءهم، يا تلال صنين وزحلة، يا ارز الرب، لقد ضاع الوطن ونحن نختلف على حصة في كفن. لقد اصبح السكوت جبانة والمسايرة اهانة والخضوع للشروط خيانة. كفانا ذلا كفانا عارًا بعد ان اصبحنا مجموعة من الزرائب في مزرعة كبيرة اسمها لبنان.