مرة اخرى، جميعهم في الصورة يوم الاستقلال، لكنهم ليسوا معاً خارج الصورة. انهم مختلفون جداً حتى على معنى العيد. كل يرى استقلاله على هواه. واقعياً، فتكت خلافاتهم بهذا الاستقلال، فانتهكوه فكرة ومفهوماً وطموحاً، حتى غدا مجرد حلم أو وهم. الأمل كل الأمل ان يكونوا معاً في العيد المقبل، في الصورة المقبلة، ولا شيء مضموناً، لأن التصعيد الزاحف يدفع بالبلد الى جوف النفق. وأكثر ما يؤلم هو هذا العقم الذي جعل الحوار ممنوعاً، والبحث عن الحلول استحالة، على قاعدة إمّا – أو.
هذه الاستحالة هي التي ألغت موقع الوسط، فالوسطيون والوسطاء يكادون يجازفون بمصيرهم اذ يحاولون التوفيق بين من يفترض انهم "توافقيون" يجلسون معاً في حكومة "توافقية" وكانوا انتخبوا رئيسا للجمهورية "توافقياً" ليجد نفسه في نهاية الثلث الاول من ولايته غير قادر على عقد جلسة لهيئة الحوار. هو يعرف ان الهيئة كانت مجرد بيئة لتنفيس الاحتقانات وتخفيف التشنجات، وها هي تبدو الآن آيلة الى فقد هذه الوظيفة. ومن شأنه ان يتحسب للضغوط الآتية: فالبعض يريده ان يتشبه بسلفه في مواقفه، والبعض الآخر الى الحسم باسم الدولة التي يستضعفها الجميع. ولا شك انه يسعى قدر استطاعته الى تأجيل اليوم الذي قد يجد فيه نفسه غير قادر على تطبيق توافقيته.
سبق للرئيس ان استشف استياء "اقليمياً" مرفقاً بـ"نصائح" – بالاحرى مطالبات – بأن يركز الحوار الوطني على سبل دعم المقاومة والا فلا داعي للحوار اذا كان سيتداول في "الاستراتيجية الدفاعية". كانت تلك الاستراتيجية وضعت بتنسيق سوري – لبناني، وطبقت باشراف سوري. ورغم ان شيئا لم يتغير فيها على مستوى العقيدة العسكرية للجيش اللبناني، الا ان خروج الجيش السوري عام 2005 ترافق مع تعيين الجهة المشرفة "حزب الله" وكيلاً ينوب عنها. وقد حاول الوكيل ان يقوم مقام الاصيل، لكنه وجد ظروفاً متغيرة وأرضا مختلفة ودوراً مورطا جديداً عليه. طلب منه غدة حرب 2006 ان يزعزع الحكومة ويسيطر على الحكم، لكنه فضل ان يركز على "حماية المقاومة" من مخاطر تلك اللعبة التي كانت تعوزه الحنكة والقدرة على تنفيذها. هذه المرة، في الازمة الراهنة، ليس مؤكداً ان احدا طلب منه لكنه هو من بادر الى التهيئة لانقلاب امني وسياسي، ودائماً بهدف حماية المقاومة.
ما بقي من الخطاب الاخير للسيد حسن نصرالله انه ينتظر، مثل جميع اللبنانيين، نتائج المساعي السعودية – السورية. اما النقاط الاخرى في الخطاب فأصبح الجميع يعلم مصيرها، اذ غلب عليها التضخيم والافتعال، فضلا عن التلفيق والافتراء، وهو يحاول البرهنة ان "الفريق الآخر" – اي كل من لا يقف معه ضد المحكمة الدولية – ضالع في مؤامرة اميركية – اسرائيلية ضد المقاومة. لكن الانتظار لا يعني بالنسبة الى الامين العام لـ"حزب الله" عرضاً لهدنة داخلية. من هنا ان استمرار الشحن السياسي والاعلامي هدفه الضغط على تلك المساعي. وفحوى الكلام انه يقول للرياض ودمشق: تعرفون ما نريده، هاتوا الحل، فاذا وجدناه مناسباً نوافق عليه، فتوافق عليه ايران، واذا لم يكن مناسباً نفعل ما في رأسنا… والحل المطلوب من كلمتين: لا محكمة. اي لا قرار ظنياً أو اتهامياً. اي تبرئة ناجزة. كل ما هو أقل من ذلك مرفوض، لانه يعني ان "حزب الله" مدعو الى التعامل مع اي اتهام مفترض كأي متهم مفترض. لكن خياراً كهذا كان ولا يزال موجوداً، ومرفوضاً.
اما الخيار الآخر، الذي ينطوي على انقلاب وسيطرة على البلد وتجميد للدولة وربما تنصيب حكومة يملي عليها قرار عدم الاعتراف بالمحكمة وبالتالي عدم التعامل معها، فيفترض ان يقدم عليه "حزب الله" بموافقة ايران. لكنه يستلزم ايضاً موافقة سوريا، والا فانه لن يستطيع تنصيب اي حكومة. كما يستلزم قبول رئيس الجمهورية بأن يتم تجاوزه وتحويله "شاهد زور". ويستلزم اخيراً قبول الجيش بأن يتفرج او يتولى فتح الطرق امام الانقلابيين… ومن كل ما تقدم لا يضمن الحزب سوى الموافقة الايرانية، بالاضافة الى حلفائه اللبنانيين الذين سيجارونه في التهور، وليس مؤكداً ان يمضوا معه الى نهاية نفق لا يرونها ولو من بعيد. ورغم ان سوريا تشارك "حزب الله" تحليله ومواقفه ومخاوفه، الا انها تنتظر لترى اذا كان هناك ما يستوجب تصعيداً انقلابياً، وإذا كانت لها مصلحة مؤكدة فيه، وإذا كانت ستمنح ايران و"حزب الله" مثل هذا الدور.
واذا لم يطرأ جديد يتيح لمجلس الوزراء معاودة عمله بدل استمراره اسيراً لشهود الزور، فهذا يعني ان البلد توغل أكثر فأكثر في سيناريو 2006. لكن مساره سيختلف مع انتقال المعتصمين من خيامهم في ساحة رياض الصلح الى طاولة مجلس الوزراء. في الجلسة الاخيرة للحكومة استطاع الرئيس رفع "الفيتو" امام أي حل غير توافقي، واذا لم يوجد مثل هذا الحل فقد لا يستطيع الدعوة الى جلسة مقبلة. اما مقاطعة الحوار الوطني فأشارت الى انه لم يعد وارداً جلوس ممثلي "حزب الله" وحلفائه لمناقشة أي مسألة مع من يتهمونهم بـ"التآمر على المقاومة". ثمة منطق في ذلك، لكنه قائم على افتراضات وتلفيقات. ومع ذلك فانه يدشن انطلاق خطة زعزعة الحكومة والدولة، فكما ان اضرار القرار الظني اصابت "حزب الله" قبل ان يصدر، كذلك اخذت اضرار الرد على ذلك القرار تلحق بالحكومة والدولة.
بات مؤكداً ان شل الحكومة وانقطاع سبل الحوار والعودة الى التمترسات ومواصلة التعبئة هي خطوات تصعيدية لا نية فيها للتراجع او الرضوخ لحل وسط، ويبدو اصحابها كأنهم درسوا كل الاحتمالات ووجدوا انهم ازاء افق مسدود. لكنهم، رغم اعطائهم المساعي السعودية – السورية فرصة، يسيئون اليها بهذا التصعيد. ذاك ان أحد عناصر انجاح هذه المساعي ان يبقى التحاور بين اطراف الداخل، لا ان يلوح احدها كل يوم بأنه يتأهب لاقصاء الآخر والتنكيل به.