على خطورة التسرّع في سوق الاستنتاجات الجاهزة والمسبقة كما في اي جريمة، خصوصا متى انذرت بتفاعلات ومضاعفات على المستوى العام، يصعب تجاوز الوتيرة الاجرامية المتعاقبة الفصول في استهداف جنود ورتباء وضباط في الجيش اللبناني في منطقة البقاع منذ مدة كأنها مجرد جرائم.
ثمة ما بدأ يشي فعلا في هذه الوتيرة وفي توقيتها بأن الامر يتجاوز الطابع "المافيوي" اللافت الذي يعتمده القتلة في التصفيات او في الاستهدافات. هناك الكثير من "الاحتراف" المافيوي والاجرامي مقترنا بالضرب على نقطة جغرافية موصوفة، هي المنطقة البقاعية. الشهداء العسكريون من المنطقة، والشبهة في القتلة ايضا – ونقول الشبهة الاولية حتى ثبوت العكس في التحقيقات، تنحصر في المنطقة. معنى ذلك خطير من ناحيتين: الاولى ان هناك استهدافا لنسيج الجيش ربما من الناحية المناطقية باعتماد الضرب على الوتر الثأري الاجتماعي، اذ ان هذا الجيش هو في النهاية ابن بيئته ومجتمعه مهما كان الامر، وحين يسقط شهيد لبلدة او لمجتمع له عاداته واعرافه وانفعالاته وتبقى الشبهة هائمة حول القتلة المفترضين من بلدة او مجتمع قرين له يسهل النفاذ الى وحدة الجيش.
والثانية ان الافتقار الى اللعب بوتيرة اخرى طائفية او مذهبية او عصبية لا يحول دون نفاذ القتلة الى اطار آخر، لذا تكثر التساؤلات هنا حول طابع الترهيب المافيوي للجرائم الذي يرتفع فوق ظاهرة الاستهدافات المتكررة لعسكريين في البقاع موحيا بان الامر يتصل بجرائم ثأرية مرتبطة بعمليات مكافحة موبقات امنية عدة، سواء كانت موبقات ارهابية او سواها من جرائم التهريب والمخدرات وما شاكلها.
اذاً، تتخذ الظاهرة خطورتها مع توقيت موصوف سقط فيه شهيد للجيش صبيحة ذكرى الاستقلال، بل قبل دقائق من الشروع في العرض العسكري الذي ربما تجاوز هذه السنة اطاره الرمزي في وسط بيروت ليلامس الاستحقاق الوطني الأعم الذي لم يتأخر الجيش وقيادته قبل اي طرف آخر في اعلانه جهرا وصراحة. فمن المواقف المتعاقبة الدؤوبة لقائد الجيش الى هذا العرض العسكري على رمزيته بإزاء "الموجودات" الثقيلة الاخرى التي يكتنزها لبنان، لا يبقى شك، حتى لو اتسم بالتسرع قبل كشف الجرائم ومسبباتها ودوافعها، بان القرار العسكري في مواجهة الفتنة مهما كلفت قد وضع الجيش فعلا امام بداية الاستحقاق الذي يدرك تماما طبيعته الخطيرة والمصيرية.
ومن دون الذهاب بعيدا في "الشوفينية" التقليدية والمضخمة التي تقلل أخطار "القدرات" المتعددة المآرب بل "التقاطعات" المحتملة لدى الكثير من الجهات العدوة الخارجية والداخلية التي تطمح بقوة غير مخفية على احد لإشعال فتنة مذهبية موصوفة في لبنان، فإن ذلك يبرز بمقدار كبير الاهمية الاستثنائية لقرار الجيش الاستباقي هذه المرة واشهاره عند كل مناسبة ومفصل يتصلان بالازمة الزاحفة على لبنان. وليس ادل على اهمية هذا القرار من توسل مجرمي العتم الوسائل المافيوية في فصول الجرائم الترهيبية الاخيرة وتعقب جنود ورتباء وضباط، في بيئة جغرافية معينة، في محاولة النفاذ الى نسيج الجيش ووحدته.
بذلك لا تبقى حاجة الى الكثير من التنظير والعواطف والكلام المنمق. فليس هناك امام اللبنانيين سوى "وصفة" يتيمة وحيدة هي ان يمحضوا الجيش الدعم الحقيقي الفعلي في اجتثاث هذه البؤر واي بؤر سواها بحسم لا يعرف التهاون، وان تثبت القوى السياسية الوازنة على امتداد لبنان انها قوى مناوئة قولا وفعلا للفتنة وانماطها المتلونة.
ويبدو واضحا ان هذا الاستحقاق قد حلّ موعده بالاحمر القاني ولو بجرائم تتخفى وتخادع وراء طابع مافيوي.