#adsense

حكومات اللاتوافق!

حجم الخط

باتت حكومات التوافق أو الوحدة الوطنية في بلادنا مرادفة لانعدام الوحدة ولغياب التوافق. وكلما سمعت في واحد من هذه البلدان عن مساع حثيثة يبذلها مختلف الأطراف لتشكيل حكومات ائتلافية تشارك فيها جميع الفئات والأحزاب، عليك أن تتوقع أن هذا البلد يقف على شفير حرب أهلية، أو على الأقل على شفير أزمة حكومية وشيكة.

ومثل كل شيء في بلادنا، فنحن نستخدم التعابير لنقصد عكسها: المتحالفون في السياسة ينتظرون الفرصة الأولى للانقضاض على حلفائهم، والائتلافات الحزبية تعني تحضير المناخات المناسبة للانقلاب على الرفاق. أسماء الأحزاب يتم اختراعها قصداً لتشير الى عكس ما يقوم به أصحابها، أو لتغطي حقيقة ما يقومون به. خذ مثلاً «دولة القانون» أو «التغيير والإصلاح» لتكتشف المدى الذي بلغه احترام القانون أو الحرص على الإصلاح في مؤسسات كهذه. نتائج الانتخابات التي تجري في بلادنا من حين الى آخر، تيمناً بالتقليد الغربي المستورد باسم الديموقراطية، لا معنى لها على أرض الواقع، إلا إذا كانت تخدم الفريق القادر على فرض تلك النتائج على الأرض. أما إذا لم يكن قادراً على ذلك، فلا يبقى أمامه سوى استجداء فرصة الحكم من طريق الخضوع لمنطق التوافق، الذي لا يُقصد منه حقيقة سوى خلق الظروف لتفجير الحكومة من الداخل عندما يحل الوقت المناسب! وليس أمامك سوى أن تسأل كلاً من سعد الحريري أو اياد علاوي عن مدى قدرتهما على الحكم في بلديهما بعد فوزهما في الانتخابات!

لدينا الآن حكومة وحدة وطنية في لبنان. يمكن ببساطة وصدق أن تسمى حكومة انشقاق أو صراع وطني، وسوف يشكر اللبنانيون ربهم إذا ظل هذا الانشقاق عند حدود امتناع الوزراء «المتحّدين» عن الاجتماع ببعضهم، كما تفعل حكومات العالم، وإذا لم يوفر هذا الانشقاق الحكومي كل الظروف الملائمة لقيام الحرب الأهلية. الأمر نفسه يمكن أن يقال عن هيئة «الحوار الوطني» التي باتت اسماً بلا مسمّى.

في العراق أيضاً جرى الاتفاق مؤخراً على قيام حكومة يقال إن الأطراف سيشاركون فيها بهدف تحقيق التوافق الوطني. غير أن متابعة ما يقوله هؤلاء المتوافقون عن بعضهم، قبل أن يجف حبر اتفاقهم، لا توحي سوى بأن الصراعات التي قامت بينهم قبل هذا الاتفاق تبقى أقل ضرراً بكثير مما هو آت بعد أن يجلسوا معاً الى طاولة حكومة التوافق.

في حكومات الاتحاد السوفياتي الراحل وفي حكومات نظرائه في أوروبا الشرقية، وكذلك الحال في حكومات الأنظمة المشابهة في عالمنا العربي، كان هناك ميل فاضح الى ضم كل الأحزاب التي كانت تسمى «وطنية وتقدمية» في حكومة واحدة تحت عباءة الحزب الحاكم. كان معروفاً في ذلك الوقت كيف وصل الحزب الحاكم الى السلطة وما هي الطرق التي تتيح له البقاء فيها. كذلك كان معروفاً دائماً من هو صاحب القرار في حكومات من هذا النوع. غير أن الأمر تطور اليوم في حكومات التوافق العربية. فالحزب الذي يسيطر على الحكومة هو الحزب الذي يفشل في الحصول على الأكثرية في الانتخابات. أما وسائل الوصول والسيطرة فهي من طريق شل عمل الدولة والمؤسسات وتهديد سلامة الناس وأمنهم بقوة السلاح، فضلاً عن الاستقواء بقوى الخارج على أهل البلد وعلى قراراتهم.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل