من بين رؤساء الجمهورية الذين تعاقبوا على الحكم منذ الاستقلال، يمكن القول بأن اثنين منهما عرفا بتمسكهما الشديد بالكتاب، الذي هو الدستور، وبالمؤسسات التي ترعى شؤون الناس والدولة، هما الرئيس اللواء فؤاد شهاب «وتلميذه» المقرّب منه الرئيس الياس سركيس، وبهذه الصفة تحديداً، اضافة طبعاً الى خصال اخرى حميدة، استحقا عن جدارة لقب رجل الدولة، وهو اللقب الذي رافق عهد كل منهما، وما زال حتى اليوم ملتصقاً بهما في اي مناسبة يدور الحديث فيها عن رؤساء الجمهورية.
الرئيس العماد ميشال سليمان من جهته، برهن بالقول والفعل، منذ خطاب القسم وحتى الذكرى 67 لاستقلال لبنان، وفي الكلمة الجامعة الشاملة التي القاها في هذه المناسبة، انه لا يقلّ حرصاً عن الرئيسين شهاب وسركيس، تمسّكاً بالدستور والمؤسسات، لا يعنيه في هذا التمسّك من يغضب ومن يرحب، لأن كل همّه ان يكون صادقاً مع ذاته ومع ما اقسم على حمايته واحترامه وتنفيذه، واوصل مرة اخرى رسالة الى من يعنيهم الامر في الداخل والخارج، ان عهد سليمان سيكون على صورته ومثاله، اي الالتزام المطلق بالدستور والدولة والمؤسسات والحوار الذي لا بديل عنه، للوصول الى تفاهم كامل، على اقله الى حد ادنى من التفاهم بين الافرقاء المتعارضين على قضايا اساسية، تمسّ سبب وجود لبنان، دولة سيدة حرة مستقلة لجميع ابنائها دون تمييز او استئثار، او استقواء بسلاح او عدد في الداخل، وضغوطات من الخارج، وكما ان الرئيسين شهاب وسركيس عانيا كثيرا بسبب مواقفهما هذه، يعاني ايضا الرئيس سليمان وسيعاني حتى نهاية عهده، الاّ ان اثنين اساسيين سينصفانه بمثل ما انصفا شهاب وسركيس، هما الناس والتاريخ، بالاضافة طبعاً الى راحة الضمير.
* * * * *
مجلس الوزراء، ومجلس النواب، والقضاء، والجيش، وقوى الامن، وحتى مؤتمر الحوار، وفوق كل هذه رئاسة الجمهورية، هي مؤسسات اساسية في بناء الدولة وفي قيامها واستمرارها، وهي الماء والهواء بالنسبة الى المواطنين، واي تعطيل لها، او محاولات تعطيلها وتهميشها، تحت اي عذر او سبب، مهما كانا وجيهين، هي نوع من انواع التخريب التي قد تصل الى حدود خيانة الشعب ومصالحه الحيوية، بالاضافة الى تهديد مباشر للكيان والنظام والجمهورية، وما جرى سابقاً ويجري حالياً من استهتار بهذه المؤسسات ومحاولات لتقويضها وتجويفها وتعطيل دورها، نوع من انواع جهل ألف باء السياسة والديموقراطية، وارضاء لغرور شخصي وانانية مفرطة تتحكم بارادة اصحابها وتصرفاتهم.
ان المؤسسات هي ملك الناس، وليست ملكاً للقيّمين عليها او للسياسيين، وبالتالي ليس منطقياً ولا قانونياً ولا دستورياً ولا ديموقراطياً اضعافها او تهميشها ومقاطعتها، كما يحلو للبعض ان يصوّر، خصوصاً ان هذه المؤسسات هي ربّة عمل الجميع، ومن ضرعها، وتعب الناس وعرق جباههم وزنودهم تتأمن معيشة من يخذلها ويتآمر عليها، ومعيشة عائلته، والمثل اللبناني الدارج يقول «من يأكل من خبز السلطان عليه ان يضرب بسيفه».، ولذلك فان رئيس الجمهورية الذي يؤكد دائماً على وجوب احترام المؤسسات والاحتكام اليها، يكون مدركاً لأهمية دورها في خدمة الناس والدولة على السواء.
امّا بالنسبة الى هيئة الحوار التي اصبحت حاجة ضرورية لا بدّ منها، للخروج بحلّ، لاكبر عقبة يواجهها اللبنانيون منذ الاستقلال، بعد انقسام البلد الى فريقين، احدهما يرفض وجود اي سلاح خارج المؤسسات الرسمية الشرعية، حتى ولو كان هذا السلاح لمواجهة اسرائيل، وآخر يرفض التخلّي عن سلاحه وعن قرار استخدامه تحت اي ظرف من الظروف، فلا يجوز لهذه الهيئة ان تتحوّل تارة الى متاريس وطوراً الى «فشّة خلق» غير مبررة، فتتم مقاطعتها والتباهي بهذه المقاطعة، في حين ان الرئيس سليمان في كلمة الاستقلال وضع النقاط على الحروف، وطالب الجميع بالعودة الى الحوار من اجل «التوصل الى استراتيجية وطنية دفاعية ترتكز على الدور الاساسي للجيش» لتحرير ما تبقى من ارض ومواجهة اسرائيل.
ان نادي «رجالات الدولة» يقبل عضوية اي شخص حتى من دون تقديم طلب، ولكن بشرط وحيد، ان يعمل باخلاص من اجل الدولة ومؤسساتها ومن اجل خير الشعب.