فيما يستمر حزب الله ومعه المعارضة بمختلف اطيافها في تصعيد الموقف من المحكمة الدولية، هناك من يجزم بان البدائل المتاحة امام قوى 8 اذار قد بلغت حد الاقتناع بان قوى 14 اذار ليست في وارد التراجع عن تصلبها. ويعطي المراقبون صورة تقريبية عن الواقعين المتعارضين بقولهم ان "المعارضة وضعت نقطة على سطر خوفها من الاتهام الداخلي والخارجي بارتكاب الجرائم السياسية". ويتابع هؤلاء المراقبون ان من ابرز اسباب استعداد حزب الله لان يستخدم مختلف الوسائل لاسقاط المحكمة الجنائية الدولية، هو شعور الحزب بان الامر قد اختلف جذريا بعد تحييد سورية، فضلا عن ان بقاء المقاومة منفردة في مواجهة الاسرة الدولية ومعها بالخصوص مجلس الامن الدولي يفهم منه ان الخلاصة السلبية للمحكمة سيتحملها حزب الله معه في مختلف مراحل الازمة اللبنانية اضافة الى الازمة الدولية العالقة مع ايران!
اما وقد استخدم الحزب وسائل الردع كافة لديه وفي مقدمها "التلويح بالفتنة المذهبية" تارة وابداء "الاستعداد لتنفيذ انقلاب فوري على الدولة" (…) وتارة اخرى "التشديد على ان بوسع الحزب الوصول الى اية بقعة في لبنان بقوة السلاح (…) وربما من خلال قوافل دراجاته النارية، كما فعل في السابع من ايار 2008، كما وصل الامر ببعض حلفاء حزب الله الى القول ان "اجتياح منطقة معينة لا يحتاج لاكثر من ساعتين"!
المهم في هذا السياق، ان خصوم حزب الله والمعارضة في قوى 14 اذار لم يقتنعوا الى الان بان عليهم تسليم زمام امر البلد، ربما لان معدل التحدي لم يبلغ ذروته، اضافة الى ان المعلومات التي في "حوزة الاستقلاليين" ليست بالحجم الذي يصدقه هؤلاء. وفي الحالين يبدو جلياً ان اية محاولة لخلط الاوراق السياسية وغير السياسية في مناطق غير خاضعة لقوى 8 اذار، قد تؤدي تلقائيا الى تجربة من النوع الذي لم يتوقف رئيس تكتل التغيير والاصلا ح النائب ميشال عون عن الاشارة اليه باعتباره مفتاحا اساسيا في مجال اخضاع الخصوم، فيما هناك من يؤكد ان السحر قد ينقلب على الساحر في حال اختلفت حسابات المعركة على الارض".
امام هذا الواقع يمكن القول ان لا مصلحة لحزب الله في التراجع عن رشق المحكمة الدولية بالحجارة حينا وبالتهديد والتجريح احيانا. كذلك لا تبدو قوى 14 اذار في وارد القبول بانها غير مؤهلة لان تواجه المعارضة جملة وتفصيلا بحسب دلالات ما حصل ايام العصيان في وسط العاصمة وما سبقه من محاولات لتحريك الشارع حيث لمس عون اولا ومن ثم حزب الله ان القفز من فوق بعض الاعتبارات المناطقية والمذهبية لن يصل بالمعارضة الى تحقيق اهدافها!
قد تكون الروايات المعممة عن انتشار سلاح حزب الله وسلاح سواه في هذه الايام غير ما كان عليه ايام فلتان "انتفاضة المعارضة" خصوصا ان الغطاء العوني لا يبدو متماسكا كفاية كون "الجنرال" يعرف ان من المستحيل عليه تجاهل الدولة عندما تحسم امرها. وهو قد جربها اكثر من سواه يوم تم اقتلاعه من قصر بعبدا حيث لم يصمد في اغتصابه السلطة سوى ثلاث ساعات، من ضمنها ما استغرقه في فراره الى السفارة الفرنسية في محلة مار تقلا، تاركا وراءه زوجته وبناته الثلاث، فيما قيل انذاك، ان جل همه قد انحصر في تأبط بعض الحقائب التي احتوت ملايين الدولارات مما وضع يده عليها بطريقة مذلة!
واذا كان هدف حزب الله من حربه المعلنة على خصومه في قوى 14 اذار معروفا وسيستمر طالما بقي قراره السياسي اقل تأثيرا من سواه، فان هدف عون لا يعدو كونه "بحثا عن ضائع ما ضاع منه في قصر بعبدا" وما فقده من شرف وسمعة عسكرية ووطنية واخلاقية مشوهة لازمته طوال سنوات هجرته الطوعية!
اما الهدف الاخر لقوى 14 اذار من وراء رفض الانصياع الى تهديد حزب الله والمعارضة، فهو ترك قوى 8 اذار تتخبط في متاهات مصالحها الشخصية والخارجية، لاسيما ان البعد التحذيري لقوى تحالف الاكثرية ما زال يفعل فعله، مهما قيل عن "الخيار المختلف" لاحد الاركان السابقين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط جراء الاصطفاف الطارئ والمختلف عن كل ما عداه من حلفاء الامس!
الخلاصة: ان حزب الله لم ييأس من عداوته الفظة لخصومه من دون ان يستفيد من الوهن الشكلي داخل قوى 14 اذار، فيما تبقى المحكمة الدولية مجرد تعبير عما يعاني منه الحزب ومعه قوى 8 اذار التي تعرف ضمنا ومسبقا انها لن تشكل درعا حقيقية وواقية للمقاومة في حال بلغت العاصفة السياسية مرحلة تحديد التهمة لمن كان له ضلع في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وغيره من الاغتيالات السياسية في لبنان؟!