#adsense

تحية إلى روحك للمرّة الـ”21″

حجم الخط

فخامة الرئيس الشهيد رينيه معوّض،
كم من الرؤساء رفعَتْهم كرسي الرئاسة من رتابة المواقع السياسية، وما لبثوا أن عادوا بعد انقضاء عهودهم إلى ذات الرتابة، وكم من الرؤساء رفعَتْهم الشهادة فوق كرسي الرئاسة حفاظاً منهم على القسم والوطن مستبدلين موقع الرئاسة بمواقعَ لهم مشرقة في التاريخ.

فخامة الرئيس، كيف يسقط، من ذاكرة شعب، رجالات استبدلوا قصر رئاسة الجمهورية بنعشٍ ملفوف بالعلم اللبناني التزاماً منهم بالقسم وحفاظاً منهم على الجمهورية، في زمن الطامحين للوصول إلى رئاسة الجمهورية حتى ولو على جثث اللبنانيين.

فخامة الرئيس، كم تتشابه الأقدار بين شعبٍ وآخر، كما بين رجالاتٍ حتّى ولو اختلفت الظروف والإيديولوجيات أو الخصوصيات، فبين بلدَين أم رجلَين قدّما للتاريخ عبرة، تستوقفني في ذكراك هذه المرّة ما رواه لي عددٌ من المقرّبين منك عن نصائح الليلة الأخيرة لثنيك عن الذهاب إلى احتفال عيد الإستقلال المحدّد فيه الزمان والمكان ما يسهّل عملية الإغتيال، أضف إلى ذلك خطورة المرحلة الإنتقالية من زمن الحرب إلى زمن السلم الموعود بعد توقيع اتفاق الطائف. حتّى إنّ رفيق شهادتك العقيد جوزيف أبي رميا قام يومها بإرسال قبعته العسكرية إلى زوجته قبل الصعود إلى السيارة الرئاسية لعلمه أنّه ذاهبٌ إلى رحلة اللاعودة. لقد كان جوابك على النصائح: "كيف يستعيد اللبنانيون ثقتهم بالدولة والشرعية إذا لم يشارك الرئيس المنتخب باحتفال عيد الإستقلال؟!".

هذا ويستوقفني أيضاً في ذكراك ما قرأتُه عن الرئيس التشيلي المنتخب "سلفادور ألليندي" الذي، وفي أيلول عام 1973، وأمام زحف جيش الديكتاتور الجنرال "بينوشيه" باتجاه قصر الرئاسة رفض أن يترك القصر رغم جميع التحذيرات موّجهاً يومها وقبل دقائق من استشهاده كلمةً إلى شعبه قائلاً: "التاريخ ملكٌ لنا، فالشعب هو الذي صنعه…" ، ورافضاً التخّلي عن الثقة التي منحه إيّاها شعبه بانتخابه رئيساً…
أهو سلفادور ألليندي أم هو رينيه معوّض يقول: "التاريخ لا يُلغى بقرار، و22 تشرين الثاني سيبقى يوم الإستقلال"… ربّما قلتَها آنذاك شعوراً منك بأن هذه الذكرى مهدّدة بالتغييب لسنوات.
فخامة الرئيس، إحدى وعشرون سنة مرّت ومشاكل الوطن هي هي… ومرّة أخرى نتوقف أمام ذكراك والوطن بخطر، والسيادة بخطر، والعدالة أيضاً بخطر، ربّما كُتِب علينا دوماً أن نفتقد لأبسط مقوّمات الوطن.

إحدى وعشرون سنة مرّت وما زالت جمهورية رينيه معوّض مؤجلة التنفيذ، وما زلنا حتّى اليوم نفتقد إلى وطن يشبه باقي الأوطان، فهم اغتالوك لأنّك أردت بناء وطن حدودُه معروفة ومرسّمة ومضبوطة.

إغتالوك لأنّك أردت بناء وطن تحكمه مؤسسات دستورية وديمقراطية تدير حياة شعبه بقوّة القانون وفقطّ بقوّة القانون.

إغتالوك لأنّك أردت بناء وطن بجميع أبنائه ولجميع أبنائه ليكون وطناً وليس حلبةً لصراع محاورَ تبدأ في لبنان ولا نعرف أين تنتهي، فأنت القائل "إنّ الوطن في حاجة إلينا جميعاً، فلنضع حداً نهائياً للعنف والإنقسام، ولنكفّ جميعاً عن الإحتكام إلى السلاح، فمِن حقّ شعبنا أن يستعيد حقّ الحياة".

إغتالوك لأنّك أردت بناء وطن لا نعيش فيه تحت وطأة الماضي والحروب السابقة، وطن نعيش فيه بلا معتقلين ومفقودين ومبعدين ومهجّرين: "لن أرتاح إلاّ وقد تمّ إعمار ما تهدّم وإسكان من هُجّر وإعادة من هاجر…".
إغتالوك لانّك أردت بناء دولة تملك حصرية السلاح وتبسط شرعيتها على كامل الأراضي اللبنانية، واقسمت: "أعاهدكم بأنّني لن أسمح لنفسي بلحظة راحة إلاّ وقد استتبّ الأمن اللبناني الشرعي في آخر بقعة من أرضنا…".

إغتالوك بكلّ بساطة لأنّك رينيه معوّض الشهابي إبن الشرعية والذي كان دوماً إلى الشرعية يعود.

إغتالوك جهلاً منهم بأنّهم بِقتل الجسد لا يستطيعون قتل الروح، ثمّ أمعنوا وأمعنوا في فرض وصايتهم وفي قمع الحرّيات من بعدك، حتّى كان اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005، لتتوحّد يومها إرادةُ غالبية اللبنانيين بالوقوف في وجه الظلم، وفاضت روح 14 آذار في آذار 2005 لتعيد الروح إلى حلم جمهوريتك "جمهورية الطائف" التي ظنّوا أنّهم اغتالوها باغتيالك عام 1989، وكانت بعدها العدالة الدولية التي نواجه اليوم أشرس حملة لإلغائها.

ولكن نطمئنك يا فخامة الرئيس بأنّ العدالة هذه المرّة آتية لامحالة، وأنّ الزمن وإن طال على اغتيالك لكنّ العدالة تختصر الزمن.

تحيّة إلى روحك للمرّة الـ"21" في الذكرى الـ"21" لاستشهادك ولا تخفْ على ما افتديته، فشهادتُكم هي للبنان والعدالة هي لبقائه، ومهما حاولوا أو هدّدوا أو أعلنو حرباً من المحكمة الدولية لن ينالوا، ومن عزيمتنا على متابعة حلمك لن ينالوا، ونردّ عليهم بما قاله شيخُنا الكبير الأستاذ غسّان تويني عشيّة استشهادك عام 1989 في افتتاحية "النهار" في مقاله الذي حمل عنوان "حقّنا في الحياة وحقّنا عليها": " نظلم التاريخ إذا نحن اليوم استسلمنا لبؤس الحزن ويأسه خائفين، … يجب ألاّ يكون في قلبنا مكان للخوف، وأن يكون الإيمان بلبنان هو الأقوى . ما أعظم الانتقام إذا نحن اليوم انتقمنا من المؤامرة بأن نلبّي النداء، فنتوحّد لنعلن على الحرب حرباً، علّنا نقتل الموت بالحياة".

بقلم عضو المكتب السياسي في "حركة الإستقلال" المحامي طوني شديد

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل