ينظر الكثير من اللبنانيين الى الوضع السياسي في البلاد باستهجان وتعجب ويردد بعضهم العبارات ذاتها وتتلخص بملامة السياسيين والزعماء الذين يديرون شؤون الناس. وبعضهم الآخر يحلل بالسياسية ويلقي باللوم على هذا أو ذاك من رجال السياسية الذين لا ينتمي الى خطهم السياسي. كل ذلك، ويغفل اللبنانيون أو بعضهم على الأقل أن السياسة في لبنان هي أبعد بكثير مما يرونه أمامهم بالعين المجردة. فاذا نظرنا الى الوضع السياسي في لبنان نجد أنه يخرج عن أي اطار طبيعي لبلد ذو سيادة تتمتع الدولة فيه بحصرية القرار، لا بل نجد أن الوضع في لبنان يفتقر الى احترام أبسط قواعد النظام السياسي الذي يقوم عليه لبنان الا وهو جمهورية ديمقراطية برلمانية.
فاذا تمحصنا جيدا في الوضع اللبناني راهنا نراه بعيدا عن التطبيق الفعلي لأصول الديمقراطية وقواعد البرلمانية. فالديمقراطية مثلا تقتضي أن تكون السلطة التي تحكم البلاد منتخبة من الشعب وفق قواعد معينة قد تختلف من بلد لآخر ولكن ترتكز كلها على دور القاعدة الشعبية في تكوين السلطة التي تدير البلاد. وفي السياق عينه تقتضي أيضا أن تكون السلطة المنتخبة تمتلك حصرية القرار بكل ما يتعلق بادارة شؤون المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية. ولن يكون لأي سلطة أخرى أي شرعية أو أي وجود قانوني حتى. واذا ما وجدت على أرض الواقع تكون خارجة عن اطار الشرعية ومخالفة للقوانين، ويقتضي بالتالي ملاحقتها وانزال العقوبات بحق من يديرها ومن يعمل في اطارها كونها تدعي الحق بممارسة سلطة لم يخولها اياها الشعب.
أما في لبنان، فيتضح جليا أن للسلطة الشرعية منافسين وهي لا تحتكر لا القرار السياسي ولا القرار الأمني خلافا لأبسط قواعد الديمقراطية. فهناك من يهدد بالويل اذا اتخذت الحكومة أي قرار لا يتناسب وطموحاته وهناك أيضا من لا يتردد أن يفرض رأيه بقوة السلاح اذا ما لزم الأمر بحسب وجهة نظره. والغريب بالأمر أن هناك من هو ممثل في السلطة الشرعية وفي الوقت عينه يقوض هذه السلطة ويسلبها قرارها ويتخذ لنفسه حقا بالتكلم والتصرف باسم اللبنانيين ونيابة عنهم ولو كان القرار المتخذ يطال البلد برمته وحرب تموز خير دليل.
وقد يظن بعضهم أن الأمر محصور بـ"حزب الله" فقط كونه الحزب الذي يملك أكبر قوة عسكرية خارجة عن اطار السلطة الشرعية. ولكن للأسف نفاجأ أيضا بالكثير من بقية الأحزاب التي تحذو حذوه ومنهم من استفحل في الماضي بالمناداة بتوحيد البندقية وبحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، عنيت به النائب ميشال عون الذي يرأس "التيار الوطني الحر".
أما ما هو أخطر من كل ذلك، فاقتناع بعض اللبنانيين بنهج هؤلاء تحت تأثير شعارات واهية تستعمل للتأثير على العامة ونيل تأييدها. شعارات رنانة تستحوذ على اهتمام بعضهم كونها تتعلق بصلب حياتهم وتتطرق الى سبل عيشهم وقدرتهم المعيشية. وهنا يجب التنبه من الوقوع في المحظور. هذه الشعارات ليست أكثر من مصيدة يستعملها أصحاب هذا النهج للايقاع بفريستهم، ومن ثم يلتهمون الفريسة ويلتهمون من حولها.
فمن منا ضد عملية اصلاح البلاد على كل المستويات. ومن منا ضد وقف الفساد والهدر. ومن منا ضد محاسبة السارق ومن منا ضد المحافظة على خزينة الدولة وعلى حقوق المواطن. من منا ضد وقف المحسوبيات والسمسرات. الا أن ذلك كله لن يتحقق الا بالعودة الى أصول الديمقراطية الحقيقية وتفعيل سلطة الدولة والتأكيد على حصرية ممارستها لهذه السلطة. وعندها فقط تنشط مؤسسات الرقابة في الدولة وتتولى مهامها لتحاسب وتعاقب كل من تخوله نفسه مخالفة القوانين المرعية الاجراء. وكل ما يخرج عن هذه الاطار هو مجرد وهم لن يصل الى أي نتيجة. فعن أي شفافية وعن أي اصلاح يمكننا التحدث فيما لو فقد الدولة هيبتها وسيطر عليها أصحاب المشاريع الاقليمية الذين يعتبرون الدولة مجرد وسيلة لتحقيق مشاريعهم هذه.
فعلى اللبنانيين أن ينظروا لا الى السياسات الضيقة التي يعمد اليها بعض الفرقاء السياسيين لتحقيق مآربهم وغاياتهم، لا بل أن يتطلعوا على السياسة العامة وأصولها وعلى الأسس التي من خلالها توصلت بلدان العالم المتطور الى ارساء نظام متماسك يسمح بممارسة أقصى حدود الحرية في ظله ولكنه يردع في الوقت عينه كل من تخوله نفسه العبث بركائز النظام ومكتسباته.