اشارة لافتة في البيان الأوروبي إلى "جيران لبنان"
"اليقظة" الغربية تركز الرسائل في اتجاه سوريا
لم يحظ اعلان الرئيس الاميركي باراك اوباما التزامه دعم لبنان والحكومة وعمل المحكمة الدولية والموقف المهم والمفصل الذي اعلنه الاتحاد الاوروبي حول النقاط نفسها بأي اهتمام في لبنان الذي انشغل بالتسريبات التفصيلية التي بثتها محطة كندية للتلفزيون عن التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وقد اثار هذا التسريب تساؤلات قد يكون اهمها بالنسبة الى متابعين ديبلوماسيين اذا لم يكن افضل عدم السعي الى مواجهة صدور القرار الظني بالحؤول دون صدوره. لان التسريبات في الاعلام الغربي في شكل خاص لا بد ان تنشط لتسبب بما قد يكون اخطر من مضمون القرار او نهاياته كما حصل في الدرجة الاولى مع ما ورد في مجلة "در شبيغل" الالمانية وسواها. اذ ان التسريبات تترك الامور عالقة عند تفاصيل من دون اخرى بغض النظر عن صحتها فتبقي الامور قابلة للاشتعال عند الشكوك ليس الا.
وقد لا يكون مستغربا ما ورد على لسان الرئيس الاميركي الذي اعادت المواقف الاخيرة للمسؤولين الكبار في ادارته لبنان الى الواجهة بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد للبنان مسلطا الاضواء على البعد الاقليمي للوضع اللبناني في سياق التجاذب والصراع مع الغرب. الا ان متابعين ديبلوماسيين توقفوا باهتمام عند نقاط عدة وردت في بيان الاتحاد الاوروبي تكشف جانبا خافيا او بعيدا عن الانظار في رؤيته لما يجري في لبنان وارتباط ما يحصل فيه بتطورات اقليمية او بالاحرى مسؤولية دول اقليمية في الوضع اللبناني راهنا. إذ اورد بيان الاتحاد الذي خصص في جزء كبير منه لمناقشة الوضع اللبناني "امتعاضاً رسميا اوروبيا من محاولات النيل من المحكمة والتشكيك بها ومطالبة واضحة لجيران لبنان بالكف عن التدخل في شؤون العدالة الدولية". كما اورد ان مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الاوروبي الذي جمع وزراء الخارجية لـ27 دولة اوروبية والممثلة العليا للشؤون الخارجية الاوروبية "طلب من جميع الاطراف واللاعبين، سواء في داخل لبنان او في المنطقة، الاضطلاع بدور بناء يساهم في استقرار البلد وعدم التدخل في اعمال المحكمة الدولية وعدم اصدار الاحكام مسبقا على نتائجها".
والموقف الاوروبي معطوفا على الموقف الاميركي يراد منه ان يعطي وقعا اكبر للموقف الدولي ازاء لبنان وما يجري فيه على نحو لا يظهر الالتزام الكلي لاستقرار البلد ودعم الحكومة الراهنة وعبر المحكمة، بل توجيه تحذير الى ان جيران للبنان لا يساعدون بل يساهمون في البلبلة الحاصلة فيه. وهو يأتي في اعقاب "اليقظة" التي احدثتها زيارة نجاد الى حد اضاءت خطوطا حمرا لم تكن توليها هذه الدول اهمية كبيرة. ومع ان بيان الاتحاد الاوروبي لم يذكر "جيران لبنان" او الاطراف واللاعبين في المنطقة وبالاسم، فمن الواضح ان ليس المقصود في الكلام المشار اليه اسرائيل، ولو انها الأولى بصب الزيت على النار على وقع تسريبات ومواقف وتكهنات تطلق في كل الاتجاهات الى درجة استناد الحملات الاخيرة على المحكمة انطلاقا من مواقف اسرائيلية، بل المقصود اوروبياً سوريا وضرورة اضطلاعها بدور بناء في المحافظة على الاستقرار في لبنان.
هذه المواقف يراها المتابعون الديبلوماسيون تذهب على نحو لا تظهر الوضع اللبناني متروكا للضغوط في اتجاهات معينة يذكيها الكلام على تسويات او اتفاقات او سيناريوات تترجم هذه الضغوط فتوازن المتابعة الاقليمية للوضع في لبنان مع المتابعة الدولية التي لن تسمح بسقوط المحكمة وتتمسك بالحكومة والاستقرار في البلد. وهي رسالة قوية يفترض ان تأخذها سوريا في الاعتبار كونها جاهدت من اجل استعادة علاقاتها مع الدول الاوروبية بعد اعوام من العزلة الديبلوماسية الى درجة يصعب عليها الاستهانة بمضمون هذا البيان الذي يشكل، وفقا لهؤلاء المتابعين، دعوة صريحة الى التعاطي مع اليوم التالي لصدور القرار الظني على قاعدة ان المجازفة لا تتصل بالاطراف الذين يقومون بها بل ايضا بلبنان، مما يجعل المسألة تتخطى الاطار المحلي الضيق. والموضوع راهنا يتصل بلبنان النظام ومؤسساته وبالعدالة الدولية مما يجعل "الرقص القائم" حول لبنان اقليميا ودوليا مترجما عملانيا للخطوط التي ترسم على هذا الصعيد. ولا يشذ كثيرا عن الموقفين الاميركي والاوروبي الموقفان القطري عبر الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني لبيروت يوم عيد الاستقلال وزيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان للبنان المقررة قبل بعض الوقت لكن بمبررات قوية تتعدى ما هو معلن عنها.