يكثر الحديث في هذه الأيام عن قطع الأيدي، والملفت أنَه يصدر عن جهة واحدة. والغريب أنَ الحجَة التي يركن اليها أصحاب فعل القطع، ليست مقنعة. فالأتهام الذي يسوقونه نظري، أفتراضي، وغير مؤسَس على حتميَات لا يمكن نقضها. فالتهمة بالعمالة أو الخيانة هي تهمة جاهزة، يرشق بها كلَ من يخالف في الرأي الذين يطلقون على أنفسهم لقب رأس حربة في مواجهة الطاغوت الأسرائيلي. وهذه التهمة أصبحت مستهلكة بحيث لم يعد لها زبائنية في الداخل أو في الخارج. أمَا ما يمكن فهمه من هذا الأسلوب، فهو العمل على الهروب الى الأمام.
إنَ سياسة "الأيدي المقطوعة" تستدعي وقفة عقلانية أمام استراتيجية المقاومة المتمثَلة بـ"حزب الله". فبالرغم من النجاح الباهر الذي تحقَقه كاريزما الأمين العام وأسلوبه الأنشائي في الخطابة، الاَ أنَ هذه البراعة في التكتيك لا يمكن أن تخفي ما وراء الأكمة، أي المشروع المستقبلي الذي يعدَه الحزب للبنان. فالضبابية التي ينشرها، ومن بينها أسلوب الترهيب، لم يعد بأمكانها أن تعمل على تمويه الهدف الأبعد، أو الأستراتيجية الثابتة التي عنوانها "دولة ولاية الفقيه".
لا بدَ أذا، ولتوضيح المرمى الذي يسعى اليه "حزب الله" من خلال سياسة "قطع الأيدي"، من أن نقف على الحيثيات التي تشكَل مشهدا سلبيا لتكتية "حزب الله"، والتي تعتبرها شريحة لا يستهان بها من النسيج الوطني شوائب يكبر خطرها. وهي:
* المزج المرحلي بين الفكر السياسي والفكر الديني، بمعنى أن الحزب التيوقراطي يتوسَل الايديولوجية السياسية بشعاراتها البرَاقة الجاذبة، ولا سيَما مناهضة الكيان الصهيوني والوقوف في وجه مخطَطاته العدوانية، بهدف التعمية الظرفية على فكره الديني، الذي يعمل على أن تكون له الأرجحية المستقبلية، وهو شيوع الهوية الأسلامية.
* القضاء على صيغة الانفتاح على الحضارات والثقافات من خلال فرض نموذج أجتماعي تربوي فكري خاص في صلب المجتمع اللبناني. ما يعني تهديد مكوَنات الحياة اللبنانية أو ميثاق العيش المشترك القائم على تفاهم الحضارات وتفاعلها، والغاء مبادئ الحوار والتآخي وحقوق الأقليَات.
* التسلَح وما يطرحه من أسئلة محرجة لـ"حزب الله"، أهمَها عن فتوى الأستمرار بامتلاك السلاح عندما يتم انسحاب اسرائيل من الأراضي اللبنانية. والكل يعلم أن فقدان "حزب الله" لسلاحه سيفقده القدرة على بسط سيطرته على الحكم والسلطة. من هنا فالمشكلة ليست في اقتناء السلاح فحسب، بل في الأستراتيجية التي يخدمها هذا السلاح، والمرتبطة بالثورة الأسلامية الساعية الى أقامة الدولة الأسلامية الكبرى ومن ضمنها الدولة الأسلامية في لبنان.
ينصَ القانون الدولي على أحقَيَة مقاومة الظلم والأحتلال، لكنَه يحدَد شروطا من أهمَها أن تتفرَغ المقاومة لأزالة هذا الأحتلال. أما أن ترتدَ المقاومة الى الداخل وتستخدم سلاحها للقضاء على خصومها أو تحجيمهم، متجاهلة الهدف من قيامها، وهذا ما جرى في السابع من أيار، فقد كان لهذا الحدث مردوده السلبي على "حزب الله" أذ أفقده مشروعيَته المقاومية بنظر المجتمع الدولي، فصنَفه منظمة أرهابية.
انَ التدقيق في مكوَنات "حزب الله" كتنظيم، يبيَن أنها ليست وطنية الطابع، فعقيدته التي تشكَل محور وجوده ونضاله أي عقيدة ولاية الفقيه، هي فكر مستورد من الجمهورية الأسلامية الأيرانية، والمال الذي يتلقَاه هو مال يتدفَق عليه من أيران، وكذلك السلاح الذي يستخدمه والذي يصل اليه عبر سوريا، والأمرة تعود الى الوليَ الفقيه آية الله أو المرجعية الشرعية التي يلتزم الحزب بأوامرها من دون مراجعة. فأين لبنان في هذا المشهد البانورامي؟
ثمة خدمة للمصلحة الأسرائيلية بشكل غير مباشر أو غير مقصود، فالمخطط الأسرائيلي يسعى الى أن تستمر الحركات الأصولية في المنطقة، ومنها "حزب الله"، ليبتزَ المجتمع الدولي بالمال والسلاح لدرء الخطر الوهمي المتمثَل بتلك الحركات التي تسعى الى أزالة الكيان اليهودي من الوجود. ومن أهداف اسرائيل أيضا، ضرب النموذج اللبناني المناهض للطرح الأسرائيلي الداعي الى رفض قيام دولة يتعايش فيها اليهودي والمسلم الفلسطيني. فدولة التعددية الديمقراطية، كما في لبنان، تمثَل الحالة التي تسعى اسرائيل الى شطبها. وهذا الهدف يتقاطع بقصد أو من دون قصد، مع ما يسعى الحزب اليه من خلال أدائه المقوَض للجمهورية والدولة والنموذج.
وبعد، فعلاقتنا بـ"حزب الله" تشبه ذلك المثل الشعبي المتمثَل بحوار يدور بين أحد الأشخاص وعمَه. فقد سأل العمَ قريبه قائلا: " ليش عم تبكي يا عمَي؟"، فأجابه قريبه: "عم ببكي لأنَك عمَي". فاعتبروا يا أولي الألباب.