لم يكن ادلّ على بلوغ الازمة السياسية في لبنان، مرحلة شديدة الالتباس والغموض، من الرد الذي اطلقه رئيس الحكومة سعد الحريري على مطالبة رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط للحكومة باتخاذ موقف اجماعي برفض القرار الاتهامي وإدانة المحكمة الدولية، وهو الردّ الذي اكتسب دلالته لأنه جاء امام رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان الذي تشغل زيارته للبنان الاوساط السياسية والرسمية على امل ان يضطلع وبلاده بدور مساعد على تهدئة التوتر وخفضه، لكن من دون اوهام كبيرة في حدود هذا الدور وقدراته.
فالأوساط المعنية بالأزمة وإن كانت لا تقلل اهمية المساعي التركية، كما من قبلها المساعي القطرية، قالت لصحيفة "الراي" الكويتية ان الامر بات متصلاً بخلفية ثابتة تتجاوز كل المساعي وهي اقتناع الجميع بأن القرار الاتهامي سيرى النور على الأرجح الشهر المقبل، وانه حتى لو تأخر صدوره أبعد من هذا التوقيت بقليل، فإن كل ما يثار عن مساع ديبلوماسية عربية واقليمية لتجنب الانزلاق الى متاهة تفجيرية أضحى الآن امام الاختبار الحاسم والنهائي ويصعب الجزم مسبقاً بما ستؤول اليه هذه المساعي.
لكن الاوساط نفسها تلاحظ ان المناخ السياسي ورغم ما يشوبه من قلق متصاعد، لا يوحي بأن السيناريوات "الكارثية" التي يتخوف منها البعض هي واقعية. فصحيح ان احداً لا يمكنه الجزم بما سيكون عليه الوضع لدى صدور القرار الاتهامي، لكن الاوساط تلفت الى ان الحسابات الباردة وغير المعلنة في شأن تداعيات هذا القرار هي غير ما يطرح علناً وايحاءً في المنابر السياسية والاعلامية راهناً.
ذلك ان المرحلة الحالية تتسم بالكثير من المناورات ولعبة طمس الأوراق والظهور مظهر من ينام على مفاجآت، وهي لعبة محفوفة بالكثير من القلق.
لكن ذلك لا يعني في رأي الاوساط ان كل ما يظهره اللاعبون في مرحلة العد العكسي لصدور القرار الاتهامي سينطبق على الأرض وميدانياً بعد صدوره خصوصاً ان اي سيناريو تفجيري او تصعيدي بالمنحى الذي يصوّره البعض الآن من شأنه ان يشكل كارثة على الجميع ولا مجال هنا للوهم في ان يكون رابحا وخاسرا امام هذا النوع من "الانتحار السياسي" ولو تمكن فرضاً اي طرف من احكام السيطرة موقتاً على الارض، على غرار ما حصل في 7 ايار 2008.
ورأت الاوساط ان هذه النقطة تحديداً تشكل المنفذ المتاح للجهود الخارجية لا سيما منها العربية والاقليمية من اجل استنباط "حزام امان" بالحد الأدنى يحول دون انهيار الوضع في لبنان، لان انهياراً كهذا لن يوفر بتداعياته الكبيرة لاحقاً اي دولة اقليمية او عربية معنية بالوضع في لبنان، ان لم يكن من الباب الاقليمي الواسع فمن الباب المذهبي الأضيق، وكلاهما يشكل نقطتيْ خطر شديدة على المنطقة برمتها.