كتبت بولا اسطيح في صحيفة "الشرق الأوسط": لا يختلف اثنان على أن زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى لبنان نجحت، حتى قبل وصوله في 13 تشرين الأول الماضي. فوسائل الإعلام المحلية الإقليمية والدولية جعلت من مجرد فكرة وقوف نجاد على أراضي الجنوب اللبناني حدثا تاريخيا ذا أبعاد استراتيجية ومستقبلية. ولا شك أن الترحيب الذي لاقاه نجاد، إن كان على الصعيد الشعبي أو الرسمي، لم يشهده لبنان إلا خلال زيارة بابا روما يوحنا بولس الثاني.
فالحشود "الشيعية" ملأت وقتها الطرقات، من مطار رفيق الحريري الدولي حتى أبعد قرية في الجنوب اللبناني، تماما كالحشود الرسمية التي تهافتت إلى القصر الجمهوري في بعبدا لاستقباله وإلقاء التحية عليه. وكان وقتها مفاجئا حضور رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، ورئيس حزب الكتائب أمين الجميل، ووفود تيار المستقبل التي تصدرها رئيس الحكومة سعد الحريري.
نجاد وصل حينها على وقع التهديدات الإسرائيلية وتحذيرات قوى إسلامية متطرفة. حتى الإسرائيليون حينها وعلى الحدود الجنوبية مع لبنان أطلقوا له أكثر من ألفي بالون بلون العلم الإسرائيلي "استنكارا" لزيارته.
اليوم، وبعد شهر ونيف، يغادر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لبنان، ولا يسع المراقبون إلا المقارنة بين زيارة الزعيم الشيعي نجاد والزعيم السني أردوغان. فمنظمو زيارة الضيف التركي نجحوا عن قصد أو عن غير قصد في ربط الزيارتين ببعضهما بعضا، وإعطائهما الصبغة المذهبية، خاصة من خلال مظاهر الاحتفاء التي كانت مشتركة في معظم الأحيان.
فـ"خوش آمديد" التي تعني "أهلا وسهلا" بالعربية ترجمت اليوم إلى التركية "خوش غالدينيز"، والاحتفالات الشعبية التي شهدتها الضاحية وقرى الجنوب المحسوبة شيعيا قابلتها وفي الزيارة "الأردوغانية" احتفالات شعبية في مناطق عكار الشمالية وصيدا المحسوبة سنيا. وحتى الأناشيد والأغاني التي نظمت للضيف الإيراني، والتي رافقتها أغان حزبية لحزب الله، قوبلت بأناشيد تيار المستقبل وببعض الأغاني التركية مع أردوغان.
أما المفارقة فكانت أن الأحداث الأمنية التي تخوف منها اللبنانيون خلال زيارة نجاد حصلت في زيارة أردوغان.. فالمظاهرة الأرمنية الحاشدة المنددة بزيارة الزعيم التركي تحولت إلى إشكالات كبيرة بين المحتشدين وقوى الأمن. إشكالات لم تعرفها زيارة نجاد التي مرت بسكينة وهدوء وحتى بترحيب الشارع السني المعارض الأول للسياسة الإيرانية في لبنان. كما أن مقاطعة وزراء المعارضة لحفل استقبال أردوغان على أرض المطار طرحت أكثر من علامة استفهام، على الرغم من تأكيدات قوى 8 آذار على ترحيبها المطلق بالزعيم التركي الذي وصفته بـ"الرجل التاريخي" نظرا لمواقفه، لا سيما في ما يتعلق بموضوع إسرائيل. يذكر أن أمين عام حزب الله حسن نصر الله كان قد وصف تركيا بأنها أصبحت أكثر عروبة من العرب.
ويعتبر أستاذ التاريخ واللغة التركية في الجامعة اللبنانية الخبير في الشأن التركي الدكتور محمد نور الدين أن "الدور التركي يقتصر حاليا في لبنان على النصح والإرشاد من عواقب الفتن، خصوصا أن تركيا تسعى جاهدة للبقاء على مسافة واحدة من كل الأطراف. فهي ومنذ البدء تعتمد سياسة غير عرقية أو دينية أو مذهبية، وكل مسعى اليوم من اللبنانيين لتصوير الزيارة بعيدا عن هذه المنطلقات التركية سيكون إفشالا للدور التركي، وأردوغان لن يكون سعيدا بأي محاولات من هذا النوع".
وفي حديث لـ"الشرق الأوسط" قال نور الدين "مجرد السعي لضرب صورة تركيا العلمانية التي تقف على مسافة واحدة من الجميع يعني ضربا للدور التركي الفاعل في المنطقة ككل. لا ننكر أن هناك مساعي لبنانية للمقارنة بين الزيارتين، وأن منظمي زيارة أردوغان استوحوا الكثير من ترتيبات زيارة نجاد، لكن على الكل أن يعي أن الدور الإيراني في لبنان يختلف بـ360 درجة عن الدور التركي".