كتب معروف الداعوق في صحيفة "اللواء":
لا يمكن لأحد أن يتكهن بتأثير زيارة الرئيس الحريري إلى طهران على الأزمة السياسية الداخلية بالرغم من دور الجمهورية الإسلامية الإيرانية المؤثر على "حزب الله" منذ اليوم؟
عشية الزيارة الرسمية التي يقوم بها رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي الزيارة الأولى له بعد توليه مهمات رئاسة الحكومة، تطرح تساؤلات عديدة عن تأثير هذه الزيارة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، لا سيما العلاقة بين دولة ودولة وبين ايران كدولة والحكومة اللبنانية برئاسة سعد الحريري تحديداً، بعد ما شاب هذه العلاقات شكوك والتباسات عديدة وصلت إلى حدود إنعدام الثقة أحياناً، بسبب تخطي الدولة الإيرانية أطر العلاقات القانونية والطبيعية بين الدول
ومحاولتها حصر علاقاتها بفئة لبنانية واحدة هي "حزب الله" دون سائر الأطراف اللبنانيين الآخرين ومدّه بالسلاح على اختلافه والأموال بحجة مقاومة إسرائيل ظاهرياً، ولكن واقعياً لتقويته على سائر الأطراف اللبنانيين وإضعاف نفوذ وهيبة الدولة اللبنانية ككل كما يحصل في الوقت الحاضر، أو استغلاله في الصراع الاقليمي والدولي لغايات ومصالح خاصة بالدولة الإيرانية، كما أعلن ذلك صراحة أكثر من مسؤول إيراني في هذا الخصوص، في حين لم يكتم أي قيادي في الحزب الدور الذي يمكن أن يقوم في هذا المجال أيضاً.
يضاف إلى كل هذه التساؤلات أيضاً أن هذه الزيارة تحصل في خضم أزمة سياسية حادة يتخبط فيها لبنان في الوقت الحاضر وأحد أطرافها الرئيسيين "حزب الله" المدعوم والمحسوب على إيران بالذات على خلفية احتمال تسمية عناصر من الحزب بالتورط في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في القرار الظني المرتقب صدوره عن المحكمة الدولية، بالرغم من نفي "حزب الله" هذه الاتهامات التي يعتبرها بأنها تستهدف الحزب لدوره في مقاومة إسرائيل وخدمة لمصالحها، في حين أن ممارسات الحزب الترهيبية طوال السنوات الخمس الماضية وتعطيله المتعمد للمؤسسات الدستورية ومحاولته مصادرة قرار الدولة وتصويبه السلاح المخصص للمقاومة إلى صدور اللبنانيين كما حصل في السابع من أيار عام 2008، وانقلابه على تأييد المحكمة الدولية التي أقرت بالإجماع في مؤتمر الحوار الوطني عام 2006 ومحاولته تعطيل حكومة الوحدة الوطنية حالياً، أثار كثيراً من الشكوك حول الحزب وخلق هوة كبيرة بينه وبين معظم اللبنانيين وما زالت الأزمة التي تسبب بها حالياً تلف الساحة السياسية الداخلية وتشل عمل الحكومة وتؤثر سلباً على تسيير مصالح الناس وشؤونهم.
في ضوء هذ الوقائع، لا يمكن لأحد أن يتكهن بتأثير زيارة الرئيس الحريري إلى طهران على الأزمة السياسية الداخلية بالرغم من دور الجمهورية الإسلامية الإيرانية المؤثر على "حزب الله" منذ اليوم، ولكن لا بد من رصد جملة مؤشرات ووقائع سبقت الزيارة وواكبت التحضيرات الممهدة لحصولها، بدءاً من زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الأخيرة إلى لبنان ولقائه المطول مع الرئيس الحريري الذي أكد على ضرورة قيام علاقات جيدة بين لبنان وإيران على مستوى الدولتين ومن دولة إلى دولة في مختلف المجالات وليس على مستوى الأفراد أو فئات معينة، ورفض لبنان الإنضواء في سياسة الأحلاف والمحاور وتأييده الاستعمال السلمي للطاقة النووية من قبل أي دولة في المنطقة، ومروراً بسياسة الانفتاح بين المملكة العربية السعودية وايران والتي تجلت بأكثر من اتصال هاتفي بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس الإيراني قبل زيارته للبنان وبعدها والأجواء الإيجابية التي يشيعها سفير إيران في لبنان منذ مدة وتصريحات المسؤولين الإيرانيين وآخرها تصريح وزير الخارجية منهوشهر متكي حول النتائج المحتملة لزيارة الرئيس الحريري الى طهران والاستعدادات المؤاتية لإنجاح هذه الزيارة لمصلحة العلاقات الثنائية بين البلدين.
لا شك أن زيارة الرئيس الحريري إلى إيران في هذه المرحلة تشكل حدثاً سياسياً مهماً في نظر المراقبين السياسيين الذين يرصدون وقائعها بدقة لمعرفة ما سينتج عنها لا سيما في ضوء استمرار التأزم السياسي الحاصل في لبنان، وعما اذا كانت هذه الزيارة تأتي استكمالاً لبحث المواضيع والأفكار التي أثيرت خلال زيارة الرئيس الإيراني للبنان وخصوصاً ما يتعلق منها ببلورة مخرج مقبول من كل الأطراف لإنهاء الأزمة القائمة، وقيام المسؤولين الإيرانيين بالدور المطلوب منهم عبر علاقتهم الجيدة مع "حزب الله" لإعطاء الدعم اللازم للمساعي والجهود السعودية السورية المبذولة في هذا الخصوص، أم أن وقائع الزيارة ستقتصر على اللقاءات الرسمية والاعلان عن مواقف مبدئية لتقوية وتحسين العلاقات الثنائية بين البلدين كما يحدث عادة.
واللافت في التحضيرات الجارية للزيارة ومستوى الوفد الوزاري والرسمي الذي يرافق الرئيس الحريري ومسودات الاتفاقيات التي ستبحث مع المسؤولين الإيرانيين، تظهر اهتماماً لبنانياً استثنائياً وحرصاً بالغاً على أحداث نقلة نوعية في العلاقات الثنائية بين البلدين في المستقبل، في حين أن الاهتمام بتوظيف نتائج هذه الزيارة أيضاً في حلحلة العقد التي تلف الأزمة اللبنانية الداخلية تبقى في صدارة المباحثات التي ستحصل بين الرئيس الحريري والمسؤولين الإيرانيين، لأنه لا يمكن تحقيق التقدم المطلوب على صعيد تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين مع إبقاء الدور التعطيلي لحزب الله في الداخل اللبناني على ما هو عليه في الوقت الحاضر تحت حجج وذرائع واهية.