كتب محمد مزهر في صحيفة "اللواء":
جملة مواقف، أطلقها رئيس الوزراء التركي، رجب طيّب أردوغان من بيروت، تستحق التوقّف عندها مليّا، سواء فيما يتصل بالشأن الداخلي اللبناني -وخصوصا الخلاف المستحكم اليوم بين القوى السياسية، حول المحكمة الدولية، والقرار الظنّي الذي سوف يصدر عنها، والتداعيات التي يمكن أن يخلقها على الساحة الداخلية، في حال وجّه القرار الإتهامي، أصابع الإتهام إلى "حزب الله" أو عناصر من الحزب- كذلك فيما يتصل بالصراع العربي- الإسرائيلي، وموقف تركيا من هذا الصراع، لا سيّما في ضوء العلاقة المتوترة بين الدولتين، بعد حادثة الإعتداء على أسطول "مرمرة" التركي، والذي كان يحمل ناشطين عربا وأجانب، بهدف كسر الحصار عن قطاع غزة، وقد جدد أردوغان من بيروت، مطالبة تركيا إسرائيل بتقديم الإعتذار، بهدف طي صفحة الخلاف بين الدولتين، وهو ما ترفضه لغاية الآن إسرائيل.
وبشكل عام يمكن القول بأنّ خطاب أردوغان، كان هادئا ومتزنا، وعلى مسافة واحدة من جميع الفرقاء السياسيين، وهو ما أكده أردوغان في خطاباته، وخلال لقاءاته التي أجراها أمس مع قادة الثامن من آذار، التي نقل إليها حرص تركيا على الإستقرار في لبنان، وأنّ تركيا تدعم الجهود العربية المبذولة في سبيل، تحقيق الهدوء الأمني والسياسي في لبنان.
وهذه المواقف لرئيس الوزراء التركي رجب أردوغان، تبيّن دخول تركيا وبقوة على خط وساطات الحل، لإنهاء الأزمة السياسية اللبنانية، في ظل الجمود الذي تعيشه البلاد، جرّاء الخلاف المستحكم بين قوى الثامن من آذار، التي تصر على حل ملف ما تسمّيه "شهود الزور" كمنطلق لإجتماع الحكومة، التي لم تعقد أي جلسة لها، منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، وبين قوى الرابع عشر من آذار، التي ترفض تعطيل البلاد بسبب ملف غير موجود بنظرها إلا في مخيّلة الفريق الآخر، الذي يريد تعطيل المحكمة الدولية، بأي شكل من الأشكال.
وأمام هذا الواقع فإنّ الأسئلة المطروحة، وفي ظل تنامي الدور التركي، على الساحتين الإقليمية والدولية، ماذا وراء هذا الحراك؟
وهل تريد تركيا من خلال مواقفها المستجدّة أن يكون لها موطىء قدم في لبنان على غرار الدور الإيراني المؤثر والفاعل في لبنان؟ أم أنّ هذه "الغيرة" التركية على لبنان، لا غاية منها سوى ترسيخ دعائم الإستقرار على الساحة الداخلية في ضوء الوضع المتشنّج بين القوى السياسية؟
وفي هذا الإطار يشير مصدر سياسي واسع الإطلاع لـ "للواء"، إلى أنه من البراءة والسذاجة، الإعتبار بأنّ لا غاية لتركيا، من حراكها المستجد على الساحة اللبنانية، وإذ يلفت إلى أنه "لا يمكن نكران حرص تركيا على أن ينعم لبنان، بحالة من الإستقرار، وأن لا ينزلق الوضع اللبناني، إلى مرحلة لا يمكن بعدها السيطرة عليها"،ويشير إلى أنّ "لتركيا اليوم دور مهم ومؤثر على الساحتين الإقليمية والدولية، ومن هذا المنطلق، يريد الأتراك لأنفسهم دورا أكبر في لبنان عموما، والمنطقة العربية خصوصا، ومن هذا المنطلق، برز الحراك التركي، ليأتي مكمّلا للحراك العربي القائم بين المملكة العربية السعودية وسوريا، في سبيل اجتراح الحلول التي تحصّن الساحة الداخلية اللبنانية، جرّاء أية تداعيات يمكن أن يولّدها القرار الظنّي بعد صدوره"، ويوضح المصدر أنّ "لبنان أرض خصبة لتبادل الرسائل على الصعيدين الإقليمي والدولي، ومن هنا لم يخل خطاب أردوغان من رسائل، سواء إلى العدو، أو إلى الأصدقاء".
في المقابل تشير مصادر في الأكثرية النيابية لـ "اللواء" إلى أنّ "خطاب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، كان هادئا جدا ومتزنا، على عكس الخطاب الذي أطلقه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان"، لافتا إلى أنّ "أردوغان أكد في خطابه بأنّ تركيا على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، ولا شك بأنّ اللقاءات التي جمعته بقيادات الثامن من آذار، تعكس الرغبة التركية، بالإستماع إلى آراء جميع اللبنانيين، على عكس نجاد الذي انحصرت لقاءاته بالإضافة إلى الرؤساء الثلاثة، فقط بقوى الثامن من آذار"، وتعتبر المصادر أنّ "الموقف التركي الذي أطلقه أردوغان، فيما يتصل بتأييد تركيا المحكمة الدولية للإقتصاص من القتلة، لا يشكّل موقفا منحازا إلى قوى الرابع عشر من آذار، ولا يجب أن تعتبره قوى الثامن من آذار بأنه رسالة موجهة ضدها، إلا إذا كانت هذه القوى فعلا لا تريد بأن تكشف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري".
أما فيما يتصل بموقف أردوغان من مسألة الصراع العربي-الإسرائيلي، ودعوة إسرائيل إلى السير في عملية السلام حتى لا تجد نفسها خاسرة في نهاية الأمر، فتشير المصادر إلى أنّ "الموقف التركي عموما أصبح متقدّما جدا على صعيد نصرة القضايا العربية، ولا سيما القضية الفلسطينية، وبالتالي فإنّ ما أعلنه أردوغان، يتكامل مع الموقف التركي المستجد، وهو يتلاءم مع طروحاتنا كقوى الرابع عشر من آذار، والذي ننادي به، لجهة أن لا يكون لبنان ساحة المواجهة المشتعلة الوحيدة مع العدو الإسرائيلي، في حين باقي الجبهات لم تطلق منها رصاصة واحدة منذ أكثر من ثلاثة عقود".