#adsense

الاستراتيجية اللبنانية لسوريا أضعفت الانفتاح الغربي عليها…”النهار”:أسباب فشل الصفقة الكبرى بين الأسد والغرب

حجم الخط

كتب عبد الكريم ابو النصر في صحيفة "النهار":

"الانفتاح الأميركي – الفرنسي – الغربي على نظام الرئيس بشار الأسد مستمر ولكن من دون مضمون حقيقي، ذلك انه لم يحقق نتائج ملموسة ولم ينجز أي تفاهم أو تقارب في شأن القضايا الاقليمية العالقة.

وفي رأي الديبلوماسيين الأوروبيين المعنيين بهذه القضية ان نظام الأسد أخطأ في حساباته وأضاع فرصة مهمة لاقامة علاقات جيدة ومستمرة ومتطورة مع الولايات المتحدة وفرنسا، ابرز دولتين معنيتين بشؤون لبنان والشرق الأوسط، ومع الدول الأوروبية عموماً، اذ ان الرئيس السوري أراد أن تأتي هذه الدول اليه وتدعم سياساته ومواقفه وتعزز دوره الاقليمي وفقاً للتصور الذي يحدده هو، فيما سعت هذه الدول الى احداث تحولات جوهرية مهمة في سياسات سوريا وتوجهاتها الاقليمية وارتباطاتها. وفي المقابل أخطأت هذه الدول الغربية في حساباتها وتوقعاتها اذ انها تصرفت على أساس ان علاقات نظام الأسد مع ايران هشة و"موقتة" وناتجة من ظروف معينة لن تستمر وان هذا النظام مستعد للتغيير الكبير المطلوب منه وللابتعاد عن الايرانيين ومخططاتهم وبناء علاقات جديدة قائمة على التنسيق والتعاون مع المسؤولين الأميركيين والفرنسيين والأوروبيين ومع المعتدلين العرب اذا انفتح الأميركيون والأوروبيون جدياً عليه وقدموا له الحوافز الملائمة.

هذه التجربة المخيبة لآمال الأطراف المعنيين بها أدت الى تقليص حجم الانفتاح الأميركي – الفرنسي – الأوروبي على نظام الأسد والاحتفاظ بالحد الأدنى من العلاقات وابقاء قنوات الحوار والاتصال مفتوحة معه لنقل الرسائل المناسبة والمتشددة بواسطتها الى القيادة السورية".

هذا ما أدلت به لنا مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع في باريس. وأوضحت ان المسؤولين الأميركيين والفرنسيين والأوروبيين عموماً في عهد الرئيسين باراك أوباما ونيكولا ساركوزي قرروا الانفتاح على نظام الأسد استناداً الى الاقتناعات والحسابات والمعطيات والتوقعات الآتية:

أولاً – اعتقد المسؤولون الغربيون ان نظام الأسد "اضطر" الى تعزيز تحالفه مع ايران في مجالات عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية وحيوية عدة لأن الدول الغربية والدول العربية المعتدلة "تخلت عنه" وفقاً لما يردده المسؤولون السوريون في محادثاتهم مع المسؤولين الغربيين، منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط 2005 ودفعته الى سحب قواته من لبنان وفرضت عليه عزلة دولية وعربية واسعة وضغوطاً وعقوبات متنوعة. وقال المسؤولون الغربيون ان نظام الأسد ينتظر "الفرصة الملائمة" و"اليد الغربية الممدودة اليه" للابتعاد عن ايران وللتحرر تدريجاً من تحالفه الوثيق معها من دون قطع العلاقات مع الجمهورية الاسلامية وان الانفتاح الغربي عليه يؤمن له الحوافز التي ينتطرها لتحسين العلاقات في مجالات مهمة عدة مع الأميركيين والفرنسيين والأوروبيين والمعتدلين العرب مما يساهم في تقليص النفوذ الايراني في المنطقة ويساعد على تكثيف الضغوط على طهران لدفعها الى التخلي عن خططها لانتاج السلاح النووي.

الصفقة الكبرى

ثانيا – اعتقد المسؤولون الغربيون أن نظام الأسد يعطي الأولوية لتحسين علاقات بلاده مع الولايات المتحدة وفرنسا والدول الأوروبية عموماً ومع الدول العربية المعتدلة وعلى رأسها السعودية ومصر وليس للاحتفاظ بعلاقات تحالفية وثيقة مع ايران، وانه مستعد من أجل تحقيق هذا الهدف لأن يدفع الثمن السياسي المطلوب منه أميركياً وأوروبياً في لبنان والعراق وساحة النزاع العربي – الاسرائيلي والمنطقة عموماً مما يساعد على التوصل الى تفاهمات مشتركة غربية – سورية لمعالجة المشاكل والنزاعات القائمة خارج نطاق النفوذ الايراني.

ثالثاً – اعتقد المسؤولون الأميركيون والفرنسيون والأوروبيون عموماً ان نظام الأسد يمكنه أن يقبل بعقد صفقة كبرى مع الغربيين والمعتدلين العرب تقوم على أساس المعادلة الآتية: تحسين العلاقات الثنائية الأميركية والفرنسية والغربية والعربية مع سوريا وتقديم مساعدات اقتصادية ومالية اليها وتعزيز الاستثمارات العربية والأجنبية فيها والعمل على اطلاق مفاوضات جدية بينها وبين اسرائيل لمعالجة مشكلة الجولان المحتل وانهاء النزاع بين البلدين وتأمين حماية واسعة لنظام الأسد، وذلك كله في مقابل أن يجري النظام السوري تغييرات جذرية في سياساته الاقليمية وخصوصاً في ما يتعلق بالنزاع العربي – الاسرائيلي ولبنان والعراق وفلسطين وعلى صعيد علاقاته مع ايران تنسجم مع ما ينتظره منه الغربيون والمعتدلون العرب. وحصول هذا التغيير الجذري في السياسات السورية يساهم في احتواء واضعاف نفوذ الايرانيين والمتشددين اللبنانيين والفلسطينيين والعرب عموماً ويحمي الجبهات الداخلية في عدد من الدول العربية من التدخلات الاقليمية ويسهل التسوية السلمية للنزاعات القائمة ويعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.

رابعاً – اعتقد المسؤولون الأميركيون والفرنسيون والأوروبيون المعنيون بالأمر انهم يستطيعون اقناع نظام الأسد بأن دور سوريا الاقليمي سيتعزز ويقوى اذا خرج من استراتيجية المواجهة التي تعتمدها القيادة الايرانية وانه سيحقق مكاسب عدة داخلياً وعربياً ودولياً اذا تحول قوة بناءة داعمة للأمن والاستقرار في المنطقة ومساهمة مع الغربيين والمعتدلين العرب في معالجة المشاكل العالقة بالوسائل السلمية.

وكما قال لنا مسؤول أوروبي بارز: "اعتقد المسؤولون الأميركيون والفرنسيون والغربيون عموما، في ضوء معلوماتهم واستناداً الى ما سمعوه من المسؤولين السوريين أنفسهم، ان نظام الأسد استخلص الدروس الصحيحة من تجربته اللبنانية ومن الأخطاء التي ارتكبها في تعامله مع الملف اللبناني ومع ملفات اقليمية أخرى، وانه صار يدرك بعد تجربة حرب غزة ان استراتيجية دعم المتشددين الفلسطينيين لن تجدي نفعاً ولن تخدم قضية السلام ولن تعزز موقعه التفاوضي مع الدول الكبرى ومع اسرائيل، وان تحالفه مع ايران لن يحقق له مكاسب حقيقية ملموسة بل يضعه في مواجهة مع دول وجهات بارزة ومؤثرة وقد يعرضه لأخطار جدية. ورأى المسؤولون الغربيون ان هذه العوامل يجب أن تدفع الرئيس السوري الى التجاوب جدياً ومن خلال خطوات واجراءات محددة مع الانفتاح الغربي عليه لأن مصالحه الحيوية تقتضي ذلك. لكن الواقع أن للأسد اقتناعات مختلفة عن الاقتناعات الغربية وحسابات أخرى، وهو ما حال دون التوصل الى صفقة كبرى أو الى تفاهمات محددة أميركية – فرنسية – أوروبية – سورية على القضايا الأساسية للمنطقة ومنها لبنان".

حسابات الأسد

وافادت المصادر الديبلوماسية الأوروبية المطلعة ان محاضر المحادثات التي أجراها المسؤولون الأميركيون والفرنسيون والبريطانيون والاسبان والالمان مع المسؤولين السوريين خلال السنوات الثلاث أو الأربع الاخيرة تظهر ان نظام الأسد شجع فعلاً الولايات المتحدة وفرنسا والدول الأوروبية البارزة على الانفتاح عليه والتحاور معه، مستنداً في توجهه هذا الى الاقتناعات والحسابات والرهانات الأساسية الآتية:

أولاً – أعطى الأسد في تعامله مع الدول الغربية سوريا حجماً أكبر من حجمها الحقيقي اذ تصرف على أساس أن الأميركيين والفرنسيين والأوروبيين هم الذين يحتاجون الى السوريين لمعالجة مشاكل المنطقة ونزاعاتها أكثر مما تحتاج دمشق اليهم، مما يتطلب تالياً من وجهة نظره أن يقدموا هم تنازلات الى النظام السوري تشمل التوقف عن ممارسة الضغوط عليه ورفع العقوبات عنه ودعم سياساته ومواقفه، أو تفهمها، وخصوصاً في الساحة اللبنانية. ورفض الأسد الاقتناع بأن الانفتاح الأميركي – الفرنسي – الغربي عليه مشروط ومقيد بمجموعة مطالب تتلخص بضرورة أن تغير سوريا سلوكها وسياساتها في التعامل مع لبنان والقضايا الاقليمية المهمة الأخرى وأن تتخلى عن المشاركة مع ايران في زعزعة الأمن والاستقرار في عدد من الساحات العربية وأن تضطلع بدور ايجابي بناء يساهم في تعزيز جهود السلام في المنطقة.

ثانيا – تصرف الأسد على أساس ان الانفتاح الغربي عليه مكافأة له وانه سيؤدي الى تقليص الدعم الدولي للبنان المستقل السيد ويمنح النظام السوري نوعاً من التفويض الدولي غير المعلن لادارة شؤون هذا البلد مما يعزز نفوذه ونفوذ حلفائه فيه ويضعف الى حد كبير نفوذ الاستقلاليين. واعتقد الأسد ان لبنان ليست له أهمية أو أولوية في حسابات الدول الكبرى وان هذه الدول استخدمت "الورقة اللبنانية" في مراحل معينة للضغط على النظام السوري وليس أكثر وانها ستتخلى عن هذه "الورقة" حين تتمكن من بناء علاقات جيدة وقوية مع سوريا.

ثالثاً – اعتقد الأسد انه يستطيع استغلال الانفتاح الغربي عليه ليقنع الدول البارزة بضرورة "تشجيع" الرئيسين ميشال سليمان وسعد الحريري والاستقلاليين على الاستجابة لمطالب دمشق وتقبل "المفهوم السوري" للعلاقات المفترض قيامها بين البلدين مما يساعد على اعادة ربط لبنان بسوريا في مجالات حيوية عدة.

رابعا – راهن الأسد على أن الانفتاح الغربي عليه سيؤدي الى التخلي عن المحكمة الخاصة بلبنان، بشكل أو بآخر، وسيمنع صدور القرار الظني وذلك حرصاً من الدول الغربية على الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع سوريا وعلى حمايتها من أي انعكاسات سلبية يمكن أن تنتج من مضمون القرار الظني في حال نشره.

خامساً – تصرف نظام الأسد في تعامله مع المسؤولين الأميركيين والفرنسيين والغربيين عموماً على أساس أن تحالفه مع ايران مصدر قوة له وانه يستطيع الحفاظ عليه وعلى روابطه القوية مع "حزب الله" و"حماس" وسائر التنظيمات الفلسطينية المتشددة ويواصل تطبيق السياسات ذاتها وأن يقيم في الوقت عينه علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وفرنسا والدول الأوروبية من منطلق ان المحور السوري – الايراني "قوي ومنتصر" ويستطيع تالياً فرض مطالبه وشروطه على الدول الغربية ودفعها الى تغيير سياساتها والتعامل "بانفتاح وايجابية" مع السوريين والايرانيين كي تتمكن من معالجة مشاكل المنطقة ونزاعاتها بالتعاون معهم.

وذكرت المصادر الديبلوماسية الأوروبية المطلعة "ان تطور الأحداث أظهر ان رهانات نظام الأسد هذه واقتناعاته وحساباته وتوقعاته كانت خاطئة أو غير دقيقة وانها تتناقض مع المواقف الحقيقية للدول الكبرى ومع خططها. ذلك ان الولايات المتحدة وفرنسا والدول الغربية البارزة انفتحت على النظام السوري ليس من أجل مكافأته على سلوكه ومواقفه أو من أجل تشجيعه على مواصلة سياساته المرفوضة لديها ولدى دول غربية عدة، بل من أجل دفعه الى تغيير هذه السياسات والابتعاد عن ايران وعن خطها المتشدد الخطر. وسعت هذه الدول الغربية الى تحسين علاقاتها مع نظام الأسد ليس من أجل تعزيز نفوذ المحور السوري – الايراني بل من أجل اضعافه واضعاف حلفائه وعلى رأسهم "حزب الله". وقد أكد المسؤولون الأميركيون والفرنسيون والأوروبيون عموماً للأسد وللمسؤولين السوريين باستمرار ضمن سياق سياسة الانفتاح هذه ان الدول الغربية والدول العربية المعتدلة ليست مستعدة للتضحية بلبنان المستقل أو بالمحكمة الخاصة بلبنان من أجل ارضاء النظام السوري بل ان هذه الدول وضعت شرطاً أساسياً لتحسين علاقاتها مع سوريا وتطويرها يقضي بأن يتخلى نظام الأسد عن أي مشروع للهيمنة مجدداً على لبنان ويقضي كذلك بأن يمتنع النظام السوري عن التدخل سلباً في الشؤون اللبنانية الداخلية وأن يتقبل لبنان المستقل السيد ويعمل على تطوير العلاقات معه على هذا الأساس. وانطلاقاً من هذا التوجه الأميركي – الفرنسي – الأوروبي أكدت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في حديثها الى "النهار" ان دعم لبنان المستقل "صلب مثل الصخور" وانه "غير قابل للتفاوض أو المساومة أو المقايضة".

وشددت المصادر الأوروبية المطلعة على ان النظام السوري يحتاج الى دعم الدول الغربية البارزة والدول العربية المعتدلة الأساسية من أجل استعادة الجولان المحتل وتحسين أوضاعه الداخلية في مجالات حيوية عدة ومواجهة التحديات المختلفة الناتجة من المواجهة الجدية القائمة بين ايران والمجتمع الدولي. كما ان هذا النظام يحتاج الى دعم هذه الدول لتأمين الحماية لسوريا من أي أخطار أو هجمات عسكرية اسرائيلية محتملة. وأضافت: "الحقيقة الأساسية هي ان هذه الدول الغربية البارزة مستعدة للتخلي عن اقامة علاقات جيدة ومتطورة مع سوريا اذا أصر نظام الأسد على رفض الاستجابة لمطالبها وتمسك بمواصلة اعتماد استراتيجية المواجهة بالتعاون مع ايران وحلفائه الآخيرين في لبنان وفي ساحات اقليمية رئيسية أخرى واذا ظل على اقتناع بأن المحور السوري – الايراني قوي وصلب وقادر على تحقيق النصر على خصومه".

المصدر:
النهار

خبر عاجل