#adsense

الحوار الحقيقي مهمة وطنية نضالية تلي صدور القرار

حجم الخط

لبنان بين صعوبة الإطاحة بنظامه وسهولة التعريض بكيانه
الحوار الحقيقي مهمة وطنية نضالية تلي صدور القرار

 
أخطر ما يتهدّد لبنان الحديث عبر تاريخه هو "سياقات" يكون فيها التعريض بالوجود الكيانيّ أكثر يسراً وأقرب منالاً من الإطاحة بالنظامين الدستوريّ والسياسيّ فيه. بل يزيد وجه الخطورة عندما يكون التعريض بالوجود الكيانيّ هو النتيجة الطبيعية لإنسداد الأفق أمام مشاريع الإطاحة بالصيغة الميثاقية وبالمؤسسات الدستوريّة.

فما القول إذاً عندما يصطدم المشروع الإنقلابيّ بطائفة من المعادلات الداخليّة والإقليميّة التي لا تفقده أيّاً من عناصر قوّته وإندفاعته إنّما لا تجعله يتقدّم شبراً واحداً على طريق الإطاحة بالميثاق والدستور والسياسة؟

وما القول أصلاً إذا كان هذا المشروع كشف عن وجهه الإنقلابيّ بشكل نافر ومثابر ومتعاظم في السنوات الأخيرة، بل استرسل بعض مدّاحه في التعبير عن مخيّلة عنفيّة أقل ما يمكن وصفها بأنّها "غير عقلانيّة"؟

وما القول فوق ذلك إذا كانت نظريّة الإنقلاب المتاح، والذي في المتناول، والذي يجري التعفّف عنه رحمة بالعباد أو مكرمة، هي نظرية لم تنطل على أحد، وإذا كانت سيناريوهات الإنقلاب الفجائيّ، والسريع، بل الخاطف، والذي لا يسفك دماً، قد تهافتت من تلقائها هي الأخرى؟

ثم أنّه منذ خمس سنوات والمشروع الإنقلابيّ يَعد جمهوره بـ"الحسم" الداخليّ والحسم مؤجّل لا ينفع في تقريبه أو التعجيل به لا تبدّل المناخ الإقليميّ والعالميّ لغير صالح الأخصام الإقليميين والدوليين لهذا المشروع، ولا كل أشكال التضعضع والإنكماش والحيرة التي مرّت بها الحركة الإستقلالية المناهضة للمشروع الإنقلابيّ منذ إفتراق ساحتي 8 و14 آذار وإلى اليوم.

في كلّ مرة كان المشروع الهيمنيّ يصوّر للناس أن حسمه قاب قوسين أو أدنى، وأنّ إنتصاره الداخليّ حتميّ، وما على أخصامه غير الإستكانة أو التقلّب في حالة من الهلع والذعر. لكن هذا المشروع، ورغم إنعدام التوازن شبه المطلق على الصعيد الأمنيّ، ورغم إرتكازه إلى قاعدة تعبويّة متراصة، ورغم إحتضانه من منظومة "الممانعة" الإقليمية في المنطقة، إلا أنّه لم يستطع تحقيق أي من وعود الحسم هذه، والمشكلة الكبرى ان عجزه عن الحسم كان بسبب عناصر القوة لدى الطرف الآخر، طرف الحركة الإستقلالية، بقدر ما كان بسبب عناصر الضعف في هذه الحركة الإستقلالية، ويضاف إلى كل ذلك، بل يتقدّم على كلّ ذلك، الضبابية الشديدة للرؤية التي تصيب المشروع الإنقلابيّ ما إن يطرح السؤال عمّا سيفعله إن كانت السيطرة الكاملة معقودة اللواء له، فلئن كانت مخيلة الحسم في التاريخ اللبناني قد أخذت مثلاً حلّة "برنامج مرحليّ للإصلاح" أو اقترنت في سياق آخر بـ"حلم الدولة العصرية، دولة عام ألفين" فإن هذه المخيلة قد استنفدت أغراضها في أيّام الحرب اللبنانية، أما المشروع الهيمنيّ الحاليّ، المشروع الذي يقوده "حزب الله" فهل لديه ما يحلم به غير النموذج المحقّق بالفعل في "الجمهورية الإسلامية" نفسها؟

بشيء من المجازفة، يمكن القول إنّ "حزب الله" وقع في مشكلة وقعت فيها الأحزاب الشيوعية الأوروبية الغربية التابعة لموسكو. هي لم يعد لديها بعد انكشاف جرائم الستالينية وحقيقة البناء الإشتراكي في الإتحاد السوفياتي ما تقترحه كنموذج على مجتمعاتها الأكثر تقدماً من المجتمع السوفياتي، إلا أن نضوبها الإستراتيجي منذ الخمسينيات لم يترجم نضوباً سياسياً إلا بعد عقود عديدة، وبالذات لأنها حافظت على صفة تمثيلية تتصل بالطبقة العاملة والحضور النقابي وما إلى ذلك. وهذه حال "حزب الله" بمعنى أنّه لا يستطيع أن يقنع أحداً في لبنان بمن في ذلك أنصاره الأقربين، بل أعضاء تنظيمه أنفسهم، بأنّ النموذج المثاليّ للأيديولوجيا التي يعتنقها هو ذلك المطبق في إيران، ومع ذلك فهو يستمد قوّته من صفته التمثيلية لشريحة أساسية من الطائفة الشيعية ولجانب أساسيّ من القضية الوطنية، أي الجانب المتصل بالمسألة الجنوبية، وبالمقاومة العسكرية والأهلية ضد الإحتلال الإسرائيليّ. طبعاً، الفارق بين الأحزاب الشيوعية الأوروبية و"حزب الله" هو أيضاً أن الأولى وقد كان لها الشأن الكبير في المقاومات ضد الإحتلال الألماني قد سلّمت سلاحها لاحقاً، إلا في حال اليونان حيث ذّبحت، في حين أنّ "حزب الله" راكم منظومة صاروخية بعد التحرير لا تقارن بما كان لديه قبل التحرير. لكن هذا الفارق لا يحلّ مشكلة أنّه ليس لدى الحزب نموذج لمجتمع بديل ولنظام بديل كي يقوم بالحسم الإنقلابيّ على أساسه. على العكس تماماً، هذا الفارق هو من النوع الذي يزيد حدّة المشكلة، فالأحزاب الشيوعية الأوروبية خرجت من مأزقها الإستراتيجي هذا بأن عدّلت في أيديولوجيّتها وتخلّت عن "ديكتاتورية البروليتاريا"، في حين أنّ تخلّي "حزب الله" عن "ولاية الفقيه" ممتنع حتى الساعة، لا بل أنّ تطوير "فهم لبناني لولاية الفقيه" لم يطرح بعد، وربّما آن له أن يطرح.

وهنا بيت القصيد. إذا ما استمرّ الأفق مسدوداً أمام المشروع الإنقلابي فالخطر أن يتحوّل هذا المشروع إلى إنفصاليّ تمدّدي، له طابع عزل المناطق عن بعضها البعض والسعي لتوسيع حيويّ للمناطق التي يسيطر عليها ووصلها ببعض، أي التعريض بالكيان لا بالنظام. وما يحرّك ذلك أن الجماعات التي يتضاعف عددها من فعل الطفرة الديموغرافية لا تتضاعف الجغرافيا الأهلية التابعة لها بنفس القدر وتظلّ تسعى لكي يكون لها جغرافيا مطابقة لفورتها الديموغرافية ومن هنا مبعث توتّرات كيانية جوهرية.

في المقابل، وحده الحوار الحقيقي، في المسائل الأساسية مع "حزب الله"، أي في المسائل المتصلة بالديموغرافيا والجغرافيا والصيغة والميثاق والدستور والحرب والسلم، هو الذي يمكنه أن يوفّر خريطة طريق للإنقاذ الوطنيّ، وهذا الحوار لا يمكن أن ينطلق بجدية إلا مباشرة بعد صدور القرار الإتهامي، بصرف النظر عن مضامينه، وعن القراءة الواجبة له، وعن الإنفعالات في الأسبوعين التاليين لصدور هذا القرار. مثل هذا الحوار الحقيقي هو مسار نضاليّ جديد ينبغي التحضّر له منذ الآن، والتوجّه له بصدق، مع السعي في الوقت نفسه لمخاطبة "حزب الله" قيادة وقواعد بمعادلة أساسية: آن الأوان لتطوير فهم لبناني لولاية الفقيه نفسها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل