#adsense

عودة التوازن

حجم الخط

لبنان الذي كان الى حين يرزح تحت وابل الاتهامات من فريق لبناني ضد فريق آخر، ساعة بالتهويل والترهيب، وأخرى بالتخوين، واستخدام ملف الشهود الزور لإعاقة عمل الحكومة والمؤسسات، هذا اللبنان، الذي أريد له أن يكون ساحة لصراعات الآخرين على أرضه، يشهد هذه الأيام فسحة من الهدوء، إبان زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، والتي شكلت ترسيخاً للتهدئة، ولو الى حين، إذ أن الزائر التركي الكبير شمل بزيارته، الى بيروت العاصمة، عاصمتي الشمال والجنوب، حيث الحشود اجتمعت لتحية من آزر لبنان والعرب.

وهنا لا يمكن أن ننسى الرئيس الشهيد الكبير رفيق الحريري رحمه الله، وكم كان لديه بُعد نظر الى الامور، إذ أنه في معظم جولاته السياسية والاقتصادية دعماً للبنان كان يتوقف ذهاباً وإياباً في تركيا التي خصها باهتمام كبير، لمعرفته بالدور الذي يمكن أن تلعبه في منطقتنا الملتهبة، ولا ننسى اجتماعه مع بنازير بوتو (رئيسة وزراء باكستان التي اغتيلت) وتانسو تشيلر، هذا الاجتماع الثلاثي كان يطمح من خلاله الى تحقيق الأبعد من المرئي والمنظور، إذ كان، رحمه الله، يعرف ما لهذه اللقاءات من تأثيرات ايجابية على الوضعين اللبناني والعربي.

وعود الى بدء، فإن زيارة رجب طيب اردوغان الى لبنان تشكل محطة مفصلية، وترتدي طابعاً مهماً جداً على صعيد إعادة التوازن واللحمة بين اللبنانيين، وجمعهم على كلمة سواء، للنهضة بهذا البلد، ودعمه في المجالات كافة، وقد تمخضت الزيارة عن توقيع اتفاقيات اقتصادية ومالية، الى جانب تدشين المستشفى التركي في صيدا، وكذلك جملة مشاريع تنموية في عكار تعود بالخير والفائدة على أبناء المنطقة.

رجب طيب اردوغان أراد من زيارته أن تحقق أكثر مما هو مخطط لها، إذ خص الاطراف كافة بالاهتمام، وهذا يأتي عكس الصورة التي تم تظهيرها لزيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد، والتي جيّرت من قبل البعض لتصب في خانة فئة من اللبنانيين دون أخرى، وقد تم تجييرها بالفعل، وكان لها، كما عمل مجيّروها، آثار سلبية، ولكن سرعان ما عمل السفير الايراني في لبنان غضنفر ركن أبادي على لملمة الذيول السلبية، فكان أكثر دقة في التعبير، وأكثر واقعية، لأنه أصر على أن زيارة الرئيس الايراني رسمية، وهي لكل لبنان، وليست خاصة بفئة معينة، على الرغم من أن الطرف الآخر أعطاها صورة فئوية، ووظفها لمصالحه الشخصية، لتحقيق ما يخطط له في الداخل اللبناني، ومن هنا يجب عدم الخلط بين من يستغل الزيارة لصالح فئة وبين من يضعها في خانة مصلحة لبنان العليا، لما تعود عليه بالفائدة على الصعد كافة.

في هذا المعنى، فإن زيارة رجب طيب اردوغان تصب في هذا المجال، إذ لتركيا علاقات وطيدة ومميزة مع اوروبا وأميركا، وسيئة سياسياً مع اسرائيل، غير أنها جيّدة عسكرياً، لأن تركيا محكومة بجملة اتفاقات عسكرية، مثل المناورات، والتي امتنع اردوغان عن إجرائها، وصفقات السلاح بين تركيا وإسرائيل، وكذلك المصالح الاقتصادية والمالية، إضافة الى ان اردوغان وابان الحرب على غزة حاول قطع علاقات بلاده مع اسرائيل، غير أن قادة الجيوش التركية حالوا دون ذلك لاعتبارات لا مجال لايرادها في هذه العجالة، ولكن ما يهمنا هو الاستفادة من المواقف الايجابية التي وضعتها تركيا دعماً لقضايانا، وعلى رأسها قضية فلسطين، وهي القضية العربية المركزية، خصوصاً موضوع القدس، إذ أكد اردوغان ثوابت تركيا في هذا الخصوص.

إن علاقات تركيا، كما أشرنا، وطيدة مع دول العالم، إضافة إليها علاقاتها بالعالم العربي، خصوصاً سورية والمملكة العربية السعودية، وهنا لا بد من الاشارة الى أن اردوغان ركز على دور سوري ايجابي في لبنان، لأن هذا الدور يساعد لبنان كثيراً في الخروج من مآزقه المتعددة، وكذلك فإن أي توافق عربي – عربي يصب في المنحى ذاته.

ولعل إلغاء تأشيرات السفر بين كل من تركيا وسورية ولبنان لمؤشر مهم جداً على مدى تطوّر العلاقات، التي يجب نقلها من علاقات جيدة وطيبة الى علاقات مميزة ترفد لبنان بكل ما يضمن أمنه واستقراره وسيادته.

وفي المحصلة، لا يسعنا إلا الترحيب بالزائر الكبير، ونتمنى أن يكون لهذه الزيارة ما نتمناه من دعم للبنان وزيادة منعته في وجه من يحاول أن يكون عائقاً في مسيرة نهضته.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل