تكاد التسريبات الاعلامية والسياسية ذات العلاقة المباشرة باعمال المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بلبنان، تشبه الافلام السينمائية المعدة، سلفاً، لاسيما عندما يرد في التسريبات المشار اليها الشيء وعكسه، ليس لان ما بدأ الكلام عليه في مجلة "دير شبيغل" الالمانية جاء مختلفا عما تناولته صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية. بل لان القصد ظهر على حساب اتهام حزب الله في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فضلا عن ان ما اورده الاعلام الكندي (محطة سي.بي سي) في اليومين الماضيين قد اعطى مسلسل الاغتيالات السياسية في لبنان طابعا مختلفا تماما وصل الى حد القول ان قائد جهاز المعلومات في قوى الامن الداخلي العقيد وسام الحسن من ضمن الجهة المنفذة للجرائم المشار اليها، على رغم معرفة الجميع بلا استثناء ان جهاز المعلومات قد تصدى بقيادته وضباطه وعناصره لمجموعة ضخمة من الاعمال المخلة بالامن والاستقرار في لبنان!
حسنا فعل رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري عندما قال بصريح العبارة انه لا يزال يمحض جهاز المعلومات في قوى الامن الداخلي وقائده ثقته التامة. لكن المفارقة جاءت من عصبة المعارضة التي كانت تتوقع ان يعيد الرئيس الحريري النظر في موقفه من هذا الموضوع بالتحديد، فيما تجلت المفارقة الاخرى في قول المعارضين وفي مقدمهم حزب الله والجماعة العونية انه لا بد من اعادة نظر شاملة في خط عمل جهاز المعلومات، طالما ان التسريبات لم توفر العقيد وسام الحسن بقدر ما ركزت على دور مباشر له في عمليات الاغتيال.
وهذا بدوره من سوء طالع قوى 8 اذار التي لم تعد تعرف كيف تتوزع المهام لابعاد التهمة عن حزب الله من جهة ولتعزيز عوامل الفرقة الداخلية على امل البقاء في جهوزية شعبية وسياسية في حال صدر القرار محملا حزب الله ولو جزءا يسيرا من مسؤولية الاغتيالات السياسية التي عصفت بلبنان في 14 شباط من العام 2005 وما قبل ذلك وبعده!
من حيث المبدأ تجمع قوى المعارضة على تأييد منهجية حزب الله ومعه حليفه ميشال عون الذي نعى مجلس الوزراء ومعه هيئة الحوار، الامر الذي يؤكد ان الكلام على استمرار عمل مظلة الوقاية السورية – السعودية اصبح وراء الجميع، اضافة الى ان لهجة التحدي وان بردت في الايام القليلة الماضية فلأن حزب الله قد ادرك ولو متأخرا ان من الافضل له ولحلفائه وقف مسلسل التحدي والتخوين والتخويف، بدليل قول 8 اذار ان الاميركيين والاوروبيين في غير وارد تغيير نظرتهم الى عمل المحكمة الدولية بعكس ما يدعيه رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون عن تغيير باريس موقفها من كل ما له علاقة بالمحكمة الدولية، فيما تقول اوساط مطلعة ان عون عندما يزعم حيازته تلك المعلومات عن حصول تغيير في موقف فرنسا "يكون لا يفهم شيئا" وهذا بدوره من ضمن سياق الغباء المفتعل لدى معظم قوى المعارضة التي لا تزال تبحث عن مخرج ما بلا جدوى، وهي تصرف جهودها في الوقت الحاضر في محاولة يائسة لتسريب المزيد من المعلومات المشككة في جدوى المحكمة الدولية!
وترى اوساط مطلعة ان ذروة التشكيك في اعمال المحكمة تكمن في تركيز حزب الله والمقاومة والحلفاء على زرع المزيد من الاخبار الملفقة من دون حاجة الى التوقف عند النقاط ذات العلاقة بأي طرف يمكن ان يكون له ضلع في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وغيره! والملاحظ ايضا ان معظم من يأخذ بوجهة نظر الحزب هم من الصنف الذي يخاف على نفسه من ان يكون له ضلع في مسلسل الاغتيالات. وبين هؤلاء قوى واحزاب واشخاص لعبت دورها في "تصفيات مرحلة الحرب" من ضمن اغتيال سياسيين وحزبيين ورجال دين واعلاميين وديبلوماسيين!
الواضح اكثر من كل ما عداه ان معادلة "س س" تكاد تصبح بلا جدوى نظرا لما شاب الحال الاقليمية العامة من تفسيرات متناقضة وتقول مصادر ديبلوماسية ان "من الصعب على اي كان ان يعطي مدلولات ايجابية لما صدر ويصدر عن اعلام حزب الله والمعارضة والحلفاء في الداخل وفي الخارج، خصوصا لجهة تكبير حجر التحدي المقصود به ادارة الرئيس باراك اوباما حتى وان كان الاخير لم يتخل لحظة عن دعمه لاسرائيل مقابل التنصل من تبعات جرائم اسرائيل وحكومة بنيامين نتانياهو في مناسبة عمليات تهويد القدس ومناطق سلطة الحكم الذاتي. حيث ساد الظن لبعض الوقت ان واشنطن يمكن ان تعطي اهتماما مختلفا لمعالجة القضية الفلسطينية؟!
والى جانب الاتهامات والتسريبات عن اعمال المحكمة الدولية، ليس من ينسى ما قيل على لسان الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية في اسرائيل الجنرال عاموس يادلين الذي ربط بين جرائم الاغتيال في لبنان وبين نزاعات اقليمية ودولية، فيما لم يتوقف السياسيون الاسرائيليون عن تسويق الفكرة القائلة ان حزب الله سيغير من طريقة تعاطيه مع الدولة في حال تم اتهامه في القرار الظني المرتقب، وهذا التحذير – التخويفي سبق للحزب ان اعلن عنه في اشاراته المتكررة الى انه سيتصرف بحسب ما يكفل الدفاع عن نفسه؟! وهذا غير جديد باستثناء ما قد يحدث على الارض في حال ركب حزب الله رأسه ومعه رؤوس الاخرين؟!