#adsense

تدخّل مختلف..

حجم الخط

تضيف زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان الى لبنان قيمة الى معطى كبير وأساسي يتبلور شيئاً فشيئاً، في الأزمة الراهنة وبوضوح تام.
ذلك المعطى غير المسبوق، يفيد في عناوينه العريضة أن طبيعة "التدخلات" الخارجية اختلفت جذرياً عما كانت عليه في سنوات سابقة.. اختلفت شكلاً ومضموناً وجعلت للمرة الأولى ربما منذ العام 1975 الوضع الداخلي اللبناني صنواً للأوضاع الداخلية في كثير من الدول المعنية، خصوصاً لجهة احتمالاته السلبية.

بمعنى آخر، عشنا منذ لحظة اندلاع الحرب في سبعينات القرن الماضي على وقع ارتباطات محلية متعددة ومعروفة بخارج متعدد ومعروف. وكانت تلك تعني في معظم الحالات ترجمة سلبية أكثر منها إيجابية.. كانت للخارج محطات كبرى عندنا. يعتمدها في الغالب الأعم كصندوق بريد، أو منصّة مواقف وتجميع أوراق. أو بنيان تنظيمي لنفوذ يمكن توظيفه في أماكن ومحطات أخرى أكبر وأشمل.. أو حتى كمجال فكري يمكنه من بث رؤاه ونظرياته في سوق أوسع من الحيّز الجغرافي اللبناني الضيّق، وكانت الأثمان بهذا المعنى غير متكافئة: يقدّم الخارج المال والسلاح والأمر، ويقدم الداخل الدم والأرواح والدمار ويغلّف ذلك بانتماءات متدحرجة من الحزبية الى الطائفية قبل أن تصل في راهننا الى المذهبية.

.. في معظم تلك المحطات، كان الداخل اللبناني مشغولاً بمراكمة المصائب والبلايا تبعاً لانقساماته من جهة وتبعاً لمعطيات مصالح ذلك الخارج من جهة ثانية… ولم يعتدل المسار إلا مع وضع اتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية، حيث أن المملكة تحديداً وجاراتها الخليجيات عموماً، ما كانت مهمومة بنوازع خاصة أو باحثة عن نفوذ أو منصّات سياسية أو أمنية أو عسكرية أو فكرية عندنا بقدر ما كان همّها الأول (ولا يزال) هو كيفية إعادة لبنان الى الضوء والحياة بعد أن أوغل في العتم والموت.

.. في الإجمال، كان التشظي اللبناني فرصة لنفوذ بعض الباحثين عن ذلك النفوذ. وكان العكس ممنوعاً. أي كان من غير المسموح محاولة بناء دولة واحدة جامعة مكتملة الأسس والمؤسسات، بل كان مرذولاً ومنبوذاً كل سعي نحو ذلك الهدف، ومشكوراً ومكرّماً كل فعل معاكس.

طبعاً لم تكن تركيا (السابقة) معنية بأي أزمة لبنانية (أمنية أو سياسية) لا سلباً ولا إيجاباً، لكنها اليوم تأتي في ذلك السياق المختلف جذرياً في أهدافه ووظائفه عن السياق التدخلي المألوف. تأتي لتوسيع مدار سياستها الحديثة لكنها تتوسل خطاب القربى والمصالح المتبادلة والمنطق السليم. وتضيف بهذا المعنى الشيء الكثير الى ما هو قائم، أي الى مروحة الحاضَين والداعين الى ترسيخ السلم اللبناني وليس نسفه.

قبلها جاء الرئيس الإيراني الى بيروت وحكى في الإطار ذاته. ومثله جاءت المواقف الأخرى، أميركية وأوروبية وروسية وعربية عموماً.. ما عادت الأزمة اللبنانية ولاّدة "إيجابيات" لذلك الخارج، بل صارت الى حد كبير، مصدراً أكيداً لقلق وخوف داخليين وفعليين. صارت "أزمة" عندهم بقدر ما هي عندنا. وصارت التهدئة بالتالي شعار التدخل، بعد أن كان نقيضها هو الشعار!

.. ربما تكون هناك بعض الخصوصيات والاستثناءات، لكن من الواضح أن المدى المفتوح الذي يمكن أن تأخذه أي انتكاسة لبنانية كبيرة وخطيرة في راهننا المذهبي، يجعل من التهدئة مصلحة ذاتية لكل متدخل بمقدار ما هي مصلحة أكيدة للبنان وأهله.. والله أعلم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل