مما لا شك فيه ان زيارة الرئيس الايراني الاخيرة الى لبنان تركت اثار انعدام سياسي للتوازن الداخلي لانها اظهرت – وعلى الرغم من كل المحاولات التجميلية التي دابت على اكساب الزيارة طابعها الرسمي والموضوعي – انجرار لبناني وراء سياسة مواجهة مع العالم والمجتمع الدولي من خلال تطرف الطرح الايراني حيال اسرائيل ورؤية الحل للقضية الفلسطينية المبنية على المقاومة والقوة والسلاح فقط – بخاصة بعدما جنحت الزيارة الرسمية في دخولها ازقة المفاضلة المذهبية بدعم الرئيس احمدي نجاد الواضح لـ"حزب الله" وقاعدته الشعبية والحليفة في لبنان. هذا الامر اوجب في ظل بدء علامات ضعف المبادرة السعودية مع مرض الملك عبدالله وانكافاء الاندفاعية السورية – السعودية بناء عليها رغم استمرارها حتى الساعة، ان تتسلم تركيا المبادرة وتستكملها في اطار حدين اقليميين: الاستمرار في المطالبة بالسلام والحزم في وجه اي تحرك اسرائيلي عدائي تجاه لبنان او غزة او اي استمرار في غطرسة تهرب اسرائيل من المفاوضات مع الفلسطينييين.
في هذا السياق لا بد من التوقف عند الملاحظات الاتية:
اولا: في حين اتسمت زيارة الرئيس احمدي نجاد الى لبنان بالتحدي المباشر لاسرائيل والولايات المتحدة انطلاقا من الجنوب اللبناني – على قاعدة المواجهة واللجوء الى القوة والسلاح وعدم الاقرار باي تسوية او مبادرة سلام بما فيها المبادرة العربية، اتسمت زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان الى لبنان بطابع المتلازمة مع المبادرة العربية التي امسكت بطرفي العصى: سلام وسعي للسلام لمنفعة الجميع وحتى اسرائيل نفسها في مقابل ابداء الحزم والحسم في التصدي لاي جنوح اسرائيلي في التصلب من خلال التعنت في رفض وقف الاستيطان وتهويد القدس وتهديد غزة ولبنان. الامر الذي يبين بوضوح الخصوصية التركية في مبادرتها بالاصالة عن نفسها والى حد ما بالوكالة عن عرب الاعتدال وهي الخصوصية التي تدخل منها تركيا كقوة اقليمية هامة على المشهد الاقليمي والدولي. وهذا ما يجسده الطرح التركي بتشكيل سوق مشتركة رباعية بين لبنان وتركيا وسوريا والاردن وكأنه يرد على طرح الرئيس احمدي نجاد بتشكل درع ممانعة ومواجهة بين تركيا ولبنان وسوريا وايران.
ثانيا: في حين تبدو السياسة الايرانية مع الرئيس احمدي نجاد سياسة انغلاق وعزلة تجاه الغرب يجاريه حاليا فيها النظام السوري – في موقف ملتبس له على محاور عدة – وهي سياسة طوق ومواجهة ورفض المبادرة العربية للسلام والتشدد في القضاء على اسرائيل ورفض الشرعية الدولية ومنها رفض المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، يأتي الدور التركي الايجابي والتواصلي والفاعل ليفتح افاق جديدة انطلاقا من موقع تركيا المميز في منظمة حلف شمال الاطلسي وفي ملف عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي وفي الدور التركي الايجابي والمساعد مع عرب الاعتدال وفي الوقت عينه في علاقات تركيا مع كل من ايران وسوريا، لتجعل انقره صاحبة دور اقليمي يجعل منها عاملا هاما في الاستقرار الاقليمي وضمانة اقليمية ذات ثقل للاستقرار في لبنان.
ثالثا: من هنا وسواء شئنا ام ابينا – تبدو زيارة الرئيس اردوغان السني الى لبنان اعادة توازن اقليمي للوضع اللبناني بعد زيارة الرئيس احمدي نجاد الشيعي الى لبنان من دون ان يعني كلامنا وجود تنافس بين الدولتين. ولكن يجب الا يغيب عن بالنا في الوقت عينه ان ثمة تاريخ طويل من التنافس بين الصفوية الايرانية والعثمانية التركية التي ليست بالضرورة قائمة حاليا ولو كانت في الخلفية التاريخية لكلا الدولتين.
طبيعة المواقف التي اعلنها اردوغان في عكار كما في صيدا كما في بيروت بأن تركيا تنظر الى الوضع اللبناني من زاوية منع اي انزلاق داخلي نحو العنف او الخربطة الامنية للاستقرار اللبناني الداخلي – ولعله في ذلك يوصل الرسالة اولا الى "حزب الله" ومن وراءه اقليميا من ان انقره لن تتفهم ابدا اي جنوح من فريق لبناني الى الفوضى والشارع رفضا للقرار الظني – فبهذا المعنى يتبين لنا ان زيارة اردوغان جاءت لتعيد الامور الى سياقها السياسي ولتضبط الوضع اللبناني على وقع الاجماع العالمي على حماية السلم الاهلي في لبنان وعلى حصر ارتدادات التداعيات على القرار الظني الى حدها الادنى.
رابعا: يضاف الى ذلك ان ثمة تطورات دولية واقليمية لا تخلو من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على الوضع الاقليمي ومن خلاله الوضع اللبناني: فيكفي ان نشير الى الاتفاق الروسي – الاطلسي الذي جعل الكرملين يقبل بمرور دبابات الحلف عبر موسكو الى افغانستان – الامر الذي يعني الاخذ في الاعتبار الجيو- سياسي سقوط الدعم الروسي "الافتراضي " و"التقليدي " لكل من سوريا وايران في المنطقة ان هما ارادا الاستمرار في مواجهة الاسرة الدولية والقوى العظمى والاسرة الدولية – كما عودة "صقور الجمهوريين" في الكونغرس الاميركي الى الواجهة بعد الانتخابات التشريعية الاخيرة في الولايات المتحدة والتي اضعفت اوباما الذي بات مضطرا للفترة المتبقية من عهده ان يتماشى معها في سياساته الخارجية ولا سيما تجاه سوريا وايران – فضلا عن التوصل الى تسوية سياسية في العراق اتاحت السير في حكومة وحدة وطنية نالت رضى الاطراف الاقليميين ومباركة الرعاة الكبار ومنهم تركيا.
فهذه العوامل الضاغطة دوليا مضافا اليها العوامل الاقليمية الاخرى – تلقي اليوم بظلالها على قدرة تحرك كل من النظام السوري والنظام الايراني المنهمك في ملفه النووي وخصومته الدولية حوله – وهذا هو التوقيت بالذات الذي يجعل تركيا اليوم تظهر على الساحة الاقليمية انطلاقا من لبنان كما بالامس في موضوع فلسطين – اللاعب القوي والدولة ذات الدخل القومي المتجاوز التريليون دولار سنويا – والصديقة للغرب على الرغم من اشكالاتها معه والصديقة لاسيا على الرغم من اختلاف الرؤية مع الجارين السوري والايراني حيال اسلوب معالجة القضايا الاقليمية والذي يجعلها بالتالي قوة اقتصادية وسياسية في المنطقة قادرة على دفع الاعتدال الى الامام في الشرق الاوسط ومناطقه الساخنة كما العراق ولبنان وفلسطين والقادرة بالتالي على منع انجراف لبنان تحديدا الى حافة الهاوية.
فانطلاقا من مجمل هذه الملاحظات نستطيع ابداء الخلاصات التالية:
– ان الوضع اللبناني ممسوك وان كان غير متماسك داخليا – بفعل قرار اقليمي – دولي لا بل ضغط قوي باتجاه الاطراف الاقليمية الداعمة للفريق الداخلي مالك السلاح لعدم ايصال الوضع في لبنان الى شفير الانفجار ردا على القرار الظني العتيد – وهذا ما يعرف اصطلاحا "بشبكة الامان" والتي هي مجموعة اتصالات ورسائل وضغوط على حزب الله من خلال الضغط على الحليفين الاقليميين له – بعتبار ان ثمة حليف اقليمي اخر من سياسة اخرى هي تركيا يهم كل من سوريا وايران ان لا يعارضاه لحاجتهما اليه في منظورهما الاستراتيجي.
– ان دخول تركيا القوي على خط الازمات الاقليمية ومنها الازمة اللبنانية ينذر بفجر جديد لخريطة التحالفات والقوى المؤثرة في المنطقة ولخلط اوراق جديد في علاقات المنطقة مع العالم ما يعني انهاء الانقسام او الاصطفاف الحاد بين عرب الاعتدال ومحور المواجهة والممانعة (ايران – سوريا – حزب الله – حماس ) بدخول طرف ثالث وسطي نهجا ورؤية واستراتيجية من خلال تركيا التي باتت تختزل في مبادرتها عرب الاعتدال وتفرض نفسها محاورا اساسيا في المنطقة من بين القوى الاقليمية ومع المجتمع الدولي. فكرست زيارة اردوغان الى لبنان تحول انقره الى رقم جديد صعب في معادلة الشرق الاوسط الجديد.
– قد تؤدي تركيا دورا هاما وتاريخيا بنقل ملف العلاقات اللبنانية – السورية المتعثرة – من اطارها الثنائي غير الكافي والمتقلب عبر التاريخ الى اطار اوسع وارحب من خلال التكتل الاقليمي الرباعي بين تركيا لبنان الاردن وسوريا – التي اذا ما تحقق يمكن ان يوجد حلولا نهائية ولاول مرة للكثير من الهواجس المتبادلة بين لبنان وسوريا – فضلا عن افاسح مجال مثل هذا التكتل – اذا ما تحقق – في ايجاد الضوابط الحقيقية والضمانات الحقيقية لفصل سوريا عن ايران اولا ومن ثم لفصل التأثير الايراني على بعض لبنان ثانيا .
فالمشهد في لبنان كما في المنطقة يبدو عشية تبدلات جذرية كبرى، فيصبح خط بنت جبيل الكواشرة بموجبها – نقطة الانطلاق نحو شرق اوسط جديد وهذه المرة بقوة الجيو – ستراتيجية والتسليم العربي لتركيا لدور تسويق السلام في المنطقة بيد من فولاز.
