ستة أشهر تقريباً تفصل عن انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامه ولم يحرك مجلس الوزراء ساكناً ازاء هذه المسألة الحساسة على رغم ما لها من اهمية قصوى وتأثير مباشر على الوضعين المالي والنقدي والاقتصادي. فالمسألة ليست مسألة تعيين أوملء فراغ في واحدة من أهم المواقع والمراكز الرسمية في الدولة اللبنانية واكثرها دقة ومسؤولية ، وانما مسألة تثبيت الاستقرار المالي والنقدي، وترسيخ الثقة المتواصلة في لبنان والمنطقة العربية والعالم بمصرف لبنان وحاكمه.
مهلة الستة أشهر المتبقية من ولاية حاكم مصرف لبنان ليست مهلة طويلة في عالم المال والمصارف ولا تحتمل اهمالاً أو مماطلة لأن الأسواق المالية والاستثمارية على انواعها تنتظر اشارة اطمئنان وثقة عبر التجديد لسلامه وسط هذه الاجواء السياسية المضطربة والمثيرة للقلق التي يعيشها اللبنانيون ، ولأن الوضع السياسي بشكل عام والوضع الحكومي بشكل خاص يواجه صعوبات حقيقية ومهدد بالسقوط بحال من الشلل بسبب الخلافات والانقسامات حول موضوع شهود الزور والمحكمة الدولية وغيره وغيره من ملفات أخرى فإن مركز حاكم مصرف لبنان سيكون من المراكز المعرضة لمواجهة خطر الفراغ وسيكون من الصعب وسط احتمالات وأحوال كهذه تفادي هذا الموضوع خصوصاًً اذا ما تطورت الامور لا سمح الله وحصل شلل تام في عمل الحكومة .
لذلك ليس هناك ما يبرر عدم حسم مسألة التجديد لـ " رياض سلامه " وفوراً ولأسباب وطنية بحتة، وكذلك دفاعاً عن مدخرات الناس وجنى حياتهم وعمرهم و ولقمة عيشهم ، ولا يمكن فهم الاسباب التي تحول دون اتخاذ هذا القرار البديهي و " المحسوم " عند الاكثرية الساحقة من اللبنانيين قبل ان يكون محسوم عند الحكومة اللبنانية. ولا نبالغ اذا قلنا انه لم يسبق ان تحقق حول قيادي في الدولة هذا الاجماع الشعبي الخارق للطوائف والمناطق والاحزاب والزعامات كما تحقق حول رياض سلامه على امتداد سنوات كان في خلالها يراكم رصيداً من ثقة وتقدير واحترام اللبنانيين وعالم المال والمصارف ليس في لبنان وحسب وانما في العالم العربي والغربي و كبار المؤسسات المالية في العالم ، مما حدا برئيس صندوق النقد الدولي للاعتراف بمهنيته والاشادة بدوره الاساسي والهام في المحافظة على الوضع النقدي والمالي في لبنان وتخطيه بنجاح الازمة المالية العالمية التي ضربت العالم وذلك خلال القاء كلمة له في نيويورك في الاجتماع السنوي لقادة المؤسسات المالية والمصرفية والنقدية في العالم. ولا نبالغ إن قلنا ان الاستقرار المالي والنقدي كان الانجاز الأهم والثابت وسط كل العواصف والاعاصير التي اطاحت بالاستقرار الأمني حيناً وبالاستقرار السياسي أحياناً كثيرة . وأما الاستقرار المالي والاقتصادي الصامد حتى في فترة السنوات الخمس الاخيرة والتي في خلالها تزعزت دعائم الاستقرار والوحدة ، فإنه لم يكن ليحصل لولا رياض سلامه وجهوده وخبرته وحكمته وبُعد نظره حتى غدا مثالاً يحتذى به واستحق عن جدارة جوائز التكريم العديدة التي أغدقت عليه وكرّسته " أفضل حاكم مصرف مركزي " في العالم ، وقدّرته كصاحب سياسة حكيمة ومبدعة اتبعها في ادارة الشأن النقدي ونجح من خلالها في ان ينأى بلبنان عن الهزات الامنية الخطيرة وتحديداً منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري مروراً بحرب تموز 2006 وما تعرض له لبنان من تدمير لمعظم بناه التحتية والخراب والدمار الكبيرين الذين اصابا املاك وارزاق الناس على يد العدو الاسرائيلي وصولاً إلى الازمات المالية والاقتصادية والعالمية والتي لا زلنا نعيشها حتى اليوم ، وفي ان يكرّس صورته كصمام أمان و " ضمانة مالية " في وجه كل المخاطر التي واجهها لبنان على المستويات الاقتصادية والمالية .
فإذا كانت الحكومة حريصة على الاستقرار المالي والنقدي وعلى استمراره وعلى حماية مدخرات اللبنانيين فليس أمامها إلا خيار التجديد لرياض سلامه على رأس مصرف لبنان من دون تردد أو تأخر . فهذا القرار لا يحتاج إلى توافق سياسي في ظل توافق وطني حول أسم رياض سلامه ، وهذا الأمر لا يجوز ربطه بسلة التعيينات الاخرى في مراكز الدولة أياً تكن مستوياتها وأهميتها ، لأن لمصرف لبنان وضعاً خاصاً ولحاكم مصرف لبنان دوراً دقيقاً وحساساً، ما يجعل ان حاكمية مصرف لبنان يجب ان تظل خارج الصراع السياسي وخارج اللعبة السياسية وكل ما فيها من تجاذبات ومماحكات وتصفية حسابات وتحسين مواقع وصراع على السلطة واقتسام لوظائف الدولة …
لبنان اليوم في حاجة إلى رياض سلامه على رأس المصرف المركزي أكثر من أي وقت مضى وهناك اجماع عام للتجديد له بدءاً برئيس الجمهورية مروراً برئيس مجلس النواب وصولاً إلى رئيس الحكومة وهم متفقون حول هذا الموضوع الهام والحساس وهذا على الاقل ما يعلنوه في جلساتهم الخاصة وبعض الاحيان في جلساتهم العامة وهم يقدرون رياض سلامه ويعرفون اهمية دوره على صعيد الاستقرار المالي والنقدي و كذلك فإن كل القوى السياسية والحزبية مجمعة على دوره كصمام أمان وضمانة للنقد الوطني في لبنان…
والسؤال هو : لماذا التأخير ؟
على اركان الدولة ان يعلموا ان شبح الأزمة المالية العالمية ما يزال مستمراً و ماثلاً أمام اللبنانيين وكل شعوب العالم وهذا ما يحضنا على التحلي بأكبر قدر من الحيطة والحذر للقيام بدور ناظم في قطاعاتنا المالية ، وهناك ضرورة لاتخاذ تدابير احترازية لتجنيب مصارفنا اضطرابات لا تستطيع مواجهتها دائماً و يمكن ان يكون ثمنها مكلفاً جداً لها وللمكلفين ومن غير المسموح اللعب في هذا الموضوع وادخاله في التجاذبات السياسية تحت أي حال من الاحوال .
ان واقع الازمة في لبنان المفتوحة على تصعيد وتأزم وعلى كل الاحتمالات يدفع في اتجاه اتخاذ كل الخطوات الوقائية والاستباقية للمحافظة على الوضع النقدي أقله وذلك كما فعلت تماماً حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عندما جددت لسلامه بصورة عاجلة ومنفصلة عن ملفات وتعيينات أخرى وذلك حفاظاً على مدخرات اللبنانيين كل اللبنانيين وعلى القطاع المصرفي والمالي والنقدي الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني وسر صمود لبنان ولعدم سقوطه وانهياره رغم كل ما واجهه من محن وأخطار حتى اليوم…
رياض سلامه مدرك لمسؤولياته وهو العارف كيف يدير السياسة النقدية بما يضمن استمرار سياسة تثبيت النقد الوطني وقدرة مصرف لبنان على المحافظة عليها حتى في ظل الوضع الداخلي المضطرب سياسياً… والتجديد له في حاكمية مصرف لبنان أولوية وطنية نظراً لخطورة الوضع واستناداً إلى نجاحات الرجل واثباته مقدرة فائقة على إدارة الملف المالي في محطات كثيرة ، لا سيما في السنوات الخمس الاخيرة، وكذلك في تجنيبه لبنان تأثيرات الازمة المالية العالمية، اذ يكاد لبنان ان يكون البلد الوحيد الذي لم يتأثر بهذه الازمة نتيجة السياسة النقدية الحكيمة و السليمة التي اتبعها مصرف لبنان.
رياض سلامه هو " رجل المراحل الصعبة " على المستويين المالي والنقدي و ربما تكون هذه المرحلة هي الاصعب والأخطر كما يبدو بسبب الانقسامات والخلافات الداخلية من جهة والتطورات وقرع طبول الحرب في المنطقة من جهة اخرى . والتجديد له على رأس المصرف المركزي هي ضرورة وطنية لاحتواء الآثار السلبية لهذه المرحلة ولطمأنة الاسواق والمستثمرين والودائع الاجنبية والمحلية وللحد من موجة القلق التي تجتاح الساحة اللبنانية عموماً ، والمواطنين المساكين والخائفين على جنى عمرهم وحياتهم والذين لا حول لهم و لا قوة خصوصاً ، وهذا سيدخلنا مجدداً في عملية المضاربة على الليرة اللبنانية مقابل الدولار والعملات الاجنبية مما يضع الوضع المالي في مهب الريح و المجهول اذا لم يتم الحسم والتجديد قبل فوات الأوان.
ايتها الحكومة، رأس المال جبان… والتاريخ لا ولن يرحم.