لا يريد الممانعون المحليون إلا الاستماع الى أصواتهم وحدهم. لا "يمتّعهم" صوت آخر من داخل أو خارج، حتى لو كان صوتاً رنّاناً كل مقاماته وطبقاته توصل الى المكان الممانع ذاته.
..يُفهم أن يمتعض معظم خلق الله العاديين والطبيعيين من كل فعل توتيري ينغّص ويهدد الوتيرة السوية لتوالي الأيام والعيش.. ويُفهم بالإجمال أن يدبّ القلق في النفوس جرّاء إنكسار منطق السياسة ومشتقاتها البعيدة من الاقتتال والفوضى المؤذية، بل ويُفهم أن يمتعض بعض من يعمل في الشأن العام عندنا من تحركات أخصامه إذا وَجَد فيها كيداً أو التفافاً أو مناورة ما قد تضرّه وتضرّ خطابه وبيانه وطموحه وسياسته في الإجمال.. كل ذلك يمكن الأخذ به وإن كان على مضض في الحالة الكيدية الأخيرة. لكن الذي لا يُفهم ولا يُقبل ولا يُبلع ولا يُهضم بأي طريقة، هو موقف ذلك الذي يمتعض ويُصاب بالمغص وضيق النفس ووجع الراس والدوخة من جرّاء حراك متنوع الأبعاد جُلّ طموحه إبقاء الرماد متراكماً فوق الجمر، بل محاولة دمل ذلك الجمر مرة واحدة وأخيرة!
بعض ممانعينا وخصوصاً منهم الوافدون حديثاً الى هذا البيان على صهوة البلف والتشبيح وتعلية الصوت تعويضاً عن تواضع الإمكانات والقدرات.. لا يستطيعون إخفاء انزعاجهم وتبرّمهم من كل التحركات الأخيرة الناشطة داخلياً وخارجياً لإبقاء الوضع اللبناني في مكانه، وإبقاء الناس على منصة الخلاف السياسي وليس الدفع بها الى ذلك الفرن الصاهر للبشر والحجر، للأحزاب والطوائف والمذاهب. بل ولا يخفون "قلقهم" من إمكانية نجاح تلك التحركات في لجم الانفعالات وكبح التهديدات وتبريد الغليان النافر، والتأسيس بعد هذا لكيفية الاستمرار في عاديات الأيام والاجتماع والدولة والمؤسسات وكل ما فيها وعليها من عوائق ومشاكل وتحديّات.
الأمر ليس مزاجاً سياسياً، ولا تعبيراً عن ترف تعدّد الخيارات الفكرية والثقافية، بل هو نتاج موقف واضح، سياسي رهاني بالنسبة الى البعض. و"وجودي" بالنسبة الى البعض الآخر: بعض يفترض ان تجفيف الادعاءات الفارغة من خلال ترسيخ مناخ التهدئة، سيعني انه صار بلا وظيفة. وبعض آخر يفترض ان المشروع كله مهدد إذا مرّت فرصة "القرار الاتهامي" ولم تُستغل تماماً للانقضاض على فريق 14 آذار والدولة والإمساك بمفاصلها وكياناتها من القمة الى القاعدة وقلب عاليها سافلها في الإجمال!
ومن ضمن ذلك، هناك "أبو الفتن" جنرال البلف. المراهن الأهم والأكبر، الواضع كل أوراقه وشعراته الباقيات في هذه السلة، وهو العالم والعارف ان شيئاً مهما كبر أو صغر لن يقربه من ربح رهانه إذا بقيت "الأمور" على ما هي عليه. وصار معلوماً ومعلوكاً ومفهوماً ومقروءاً ومسموعاً ومنشافاً ان فحوى رهانه ذاك يقوم على الفوضى وترجماتها.. وهذه أيها الأخوة والرفاق، ليست إلا توصيفاً مُهذباً ومتواضعاً للفتنة إياها.
بغضّ النظر عن تلك التفاصيل، فإن خلاصة "المشروع" الممانع محلياً لا تتناسب مع خلاصة الوصل والجمع والبناء والعمران والدولة عموماً.. إسألوا معظم اللبنانيين منذ 14 شباط 2005 حتى اليوم!.