ما ميز لبنان في خلال ازماته السياسية في مختلف مراحل وحقبات تاريخه الحديث هذه النزعة الى احلال التسويات بدل الصيغ الثابتة والركائز المتينة لبناء الوطن والدولة وصون الكيان والهوية والسيادة والاستقلال.
فمنذ ثورة 1958 والثورة المضادة انذاك ولبنان نظاما وحياة سياسية محكوم بمعادلة مقفلة لا تبني وطن ولا تأسس لدولة عصرية يطمح اليها كل لبناني مستنير وطموح – الا وهي معادلة ايجاد التسويات والاكتفاء بالتسويات بدل الحلول الجذرية – فباتت التسويات تقوم مقام الحلول الجوهرية وبات التكاذب والتحايل على بعضنا اساس وفاقنا وتوافقنا – وهذا ما لا يمكن ان يوصلنا الى بناء دولة ولا الى تطور وطن ولا الى استقرار سياسي واجتماعي واقتصادي طويل الاجل – لان التجارب ايضا الغنية اثبتت ولا تزال بان اي تسوية لم تكن حقيقة الا تأجيلا لمشكلة ان لم تكن طمس مشكلة بخلق اكبر منها واخطر منها تدوم لفترة قصيرة ومن ثم تعود لتنفجر في مكان اخر ولتطفو على سطح الخلافات والتناقضات.
من هنا ومع ترحيبنا وشكرنا لجميع الاشقاء والاصدقاء من الشرق كما من الغرب – الذين يسعون دائما وعند كل ازمة مفصلية بين اللبنانيين الى مساعدة لبنان في تخطي محنه – على قاعدة التسويات واحرها تسوية الدوحة واليوم ما يحكى عن تسوية في موضوع القرار الظني والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
ان الطائف الذي اصبح دستور الدولة – تكلم عن نهائية لبنان وطنا لجميع ابنائه – وهذا بحد ذاته انجاز بحجم الوطن يحسب لمن وضع النص خاصة متى تعمقنا في دراسة تاريخ وطننا لندرك كم كان غياب هذه القاعدة في صلب اسباب الكثير من الازمات والحروب التي دمرت الحجر والبشر في وطن الارز.
لكن اليوم، اصبحنا امام مشكلة جديدة تخطت نص اتفاق الطائف كما تخطت مقدمته الواضحة لجهة التزام لبنان مواثيق الامم المتحدة والجامعة العربية وسائر الشرائع والمواثيق الدولية والاقليمية – لتنتصب امامنا ازمة وجودية وكيانية: ازمة انقسام اللبنانيين حول دور ووظيفة لبنان هذا البلد النهائي لجميع ابنائه وقد برز الاصطفاف الحاد بين اللبنانيين بين فريق يرى فيه ساحة المنازلة الاقليمية والدولية مع المجتمع الدولي واسرائيل وصولا الى خوض صراع مفتوح مع العالم دعما وتأييدا ومؤازرة وتناغما مع مشروع ايراني – سوري تحالفي يشكل ما يسمى حلف الممانعة والصمود والمقاومة – وبين فريق لبناني اخر لا يرى لبنان الا من ضمن منظومة المجتمع الدولي ملتزما بالشرعية الدولية وبالمواثيق والمنظمات والعدالة الدولية وداعما لمبادرة السلام العربية ومؤمنا بثقافة التحاور والتفاوض والديبلوماسية في استرداد الحقوق المشروعة.
والمشكلة الاكبر هي في ان نصوص الطائف – على اهميتها – لم تعد بالنسبة للفريق الاول الا وجهة نظر كما الدستور – الامر الذي يعيد طرح الهواجس والثوابت الوطنية التي قام عليها لبنان منذ البداية.
فلنتفق لمرة واحدة على الية حراك وطني داخلي تعيد كل فترة انتاج حلول من تلقاء نفسها عند كل مفترق واي محطة بدل ايجاد التسويات، تأجيل الخلافات، وطمس الحقائق مهما كانت صعبة تلك الحقائق، وبدل العيش كل عشرة او عشرين سنة تقلبات وازمات متكررة ومتناسخة تعيد تهديم ما بني وتهجير اولادنا واشقائنا من الوطن الى الخارج وتعطيل البلد والمصالح والمؤسسات والاقتصاد.
ما من احد يدعي امتلاك تصورات جاهزة الان للبدائل والحلول – ولكن لنبدأ جميعنا بالتفكير معا بما يمكن ان يضمن للبنان ولابناء الوطن استقرارا وطنيا ومستقبلا مضمونا في بلدهم .
من جهتنا، نرى ان الحلول التي يجب ان يتفق عليها اللبنانيون تقوم على اسس ثابتة ابرزها:
اولا: الانطلاق من نهائية لبنان وطن للجميع الى مرحلة اقتناع الجميع بمفاعيل هذه النهائية التي تفترض احترام الاخر وخصوصيات الاخر وحساسياته والتشاور والتشارك في ادارة شؤون الدولة بعيدا عن التفرد والاستفراد والاحتكار والنظرة الى الخارج وانتظار الخارج والعمل بوحي الخارج. فالوطن النهائي هو المساحة المشتركة الوحيدة الواجب على اللبنانيين تثميرها وتطويرها وتدعيمها وصونها وتحصينها من اي عواصف وتجاذبات خارجية، لان التجارب اثبتت وتثبت كل يوم ان لا مجال لقيام الدولة القوية القادرة الا بتضافر الارادة اللبنانية الجامعة وغير المجزأة في قيام هذا النوع من الدولة والعمل الفعلي والمثابر من اجل ذلك الهدف.
ثانيا: الانطلاق من تفسير واحد للبنان ودوره في الشرق والعالم – كما الانطلاق من تفسير لدور لبنان في ما يجمع اللبنانيين انفسهم من خلاله ومن اجله وحوله – وهذه المعادلة لطالما رددناها مرارا وتكرارا – ان لبنان دفع بما فيه الكفاية وبما يفوق طاقته على تحمل المزيد منفردا فواتير الصراع العربي – الاسرائيلي، وهو غير قادر على الاستمرار منفردا ومستفردا في المواجهة عن العرب وباسم العرب على حساب استقراره وامنه ووحدته الوطنية وصون استقلاله وسيادته وحريته وتطوره. فسر قيام لبنان كان في تأمين التألف والوحدة والتفاعل الحضاري بين العائلات الروحية اخذين بالاعتبار كل عائلة متطلبات وجود الاخرى ومصالح الاخرى بما يخدم مصالح لبنان .
ثالثا: لا يمكن للبنان ان يتحول الى محور معادي للمجتمع الدولي – فمصالح لبنان العليا على مر التاريخ كانت تفرض عليه ان يلعب الدور التواصلي بين الشرق والغرب وقد سمح موقعه الجيو – سياسي المميز بلعب الادوار الايجابية خدمة للانسان والعالم والتجارب الحضارية الراقية – وقد تفيأ مظلة القانون الدولي والحق وشرعة حقوق الانسان التي كان من بارز واضعيها وانار العالم بفنونه وثقافته ورسالته الحصارية الراقية – فالتنازل اليوم عن كل هذا الارث المجيد يساوي انتحار الوطن انتحارا جماعيا وسقوط اخر معالم الحوار والتفاعل لا بل التكامل بين الحضارات بدل تصارعها وتصادمها.
فلبنان خلق ليكون رسالة سلام ومحبة وانفتاح وحوار بين الشرق والغرب وبين الشعوب والثقافات – وكما قال المغفور له قداسة الحبر الاعظم يوحنا بولس االثاني: ان لبنان اكبر من وطن انه رسالة … فهذه الرسالة هي جوهر دفاعنا اليوم عن الكيان وهي جوهر وقوفنا في وجه محاولات محو التاريخ واللعب على ذاكرة الناس الجماعية والتاريخية …
رابعا: ان لبنان لا يقوى الا بعلاقاته مع الجميع – فدخول لعبة المحاور والانحياز يناقض اولا مبادىء عدم الانحياز الايجابي الذي انضم لبنان الى منظمته منذ 1951 مع مؤتمر باندونغ الشهير – فعدم الانحياز لا يعني عدم الكلام وعدم وجود موقف بل تعني عدم الدخول في لعبة الصراعات والمحاور بما يناقض ويؤذي مصالح الدولة العليا قبل اي اعتبار او معيار اخر – فلبنان الموفق والوسيط والمبادر في حل النزاعات الدولية وصاحب الكلمة المحترمة في العالم ومطفىء الازمات والتوترات في العالم اهم بكثير من لبنان منحاز يحمل على كفه مصيره في حسابات ربح وخسارة تجعله اول الخاسرين واقساهم تحملا للخسارة ان خسر، واخر الرابحين واخر من يستفيد من الربح ان ربح.
من هنا، فإن التسويات تهدىء وتؤجل الازمات واخرها اليوم ازمة القرار الظني والمحكمة الدولية – في ظل عدم اعتراف قسم من اللبنانيين بها وبالشرعية الدولية خلافا للدولة اللبنانية والقسم الاخر من لبنان – الامر الذي يوجب علينا اعتماد لغة حوار مباشرة وصريحة مع الفريق الرافض لافهامه بأن هذه الازمة اخطر من اي فتنة وهي الفتنة بحد ذاتها وقبل صدور اي قرار ظني – ولتوصل انطلاقا من هذا الاصطفاف الى ما يجمع اللبنانيين حول قواسم مشتركة وان فشلوا فلا باس ان تكون لنا الجرأة الادبية والسياسية والوطنية في اعلان الخلاف والاختلاف من دون تخوين من هنا وتفضيل من هناك واستقواء بغريب من هنالك… والاهم ان نقلع عن انتظار الاوكسجين الخارجي الصديق والشقيق عند كل اختناق داخلي بدل ان نتحمل كلبنانيين لوحدنا مسؤوليات الاتفاق او تنظيم اختلافاتنا من دون الحاجة لانتظار شقيق او صديق او حليف …
على امل ان نصل يوما الى قناعة من ان التسويات فعلا وواقعا لا تبني الا مشاريع حروب جديدة في المستقبل … والتاريخ شاهد حق … حقا… وليس شاهد زور …
