#adsense

نصر الله يحاكم القرار الإتهامي والمحكمة معاً

حجم الخط

الحل المطلوب قبل القرار الإتهامي مخالف للمنطق…وحججه متهافتة!
نصر الله يحاكم القرار الإتهامي والمحكمة معاً

 
في خطابه، يوم الأحد 28/11/2010، قال السيد حسن نصر الله: <أدعوكم يا أصحاب العقول لقراءة القرار الظني وأدلة القرار الظني، وأقول لكم من الآن يا جماعة الخير: أدلة القرار الظني موجودة في ديرشبيغل، وفيغارو، وسي بي سي· خذوا الأمر مني، وأنا متابع عن قرب!، وعندي دليل على هذا المعنى··· أنا أدعو إلى عدم تقطيع الوقت، وإلى تحمل المسؤولية، خشية أنه إذا صدر القرار الظني أن يلعب اللاعبون الكبار والصغار بهذا البلد، فنفقد جميعاً القدرة على معالجة تداعيات القرار الظني>·

إن ما يطالب به السيد نصر الله -مذ أيقن باستحالة إلغاء المحكمة وتعذر إلغاء أو حتى إرجاء القرار الاتهامي- هو؛ موقف لبناني ?ذي مفاعيل عملية- من القرار الاتهامي، صادر عن الرئيس سعد الحريري· الإشكالية في رغبة نصر الله تلك؛ أنه يريد محاكمة القرار الاتهامي واتخاذ موقف منه قبل صدوره، خلافاً للمنطق!·

في كلمته إياها، يوم الأحد الماضي، حاول السيد نصر الله تدعيم رغبته غير المنطقية هذه، بالحجج الآتية:

أن القرار الاتهامي بات معروفاً وأدلته موجودة في: < ديرشبيغل، وفيغارو، وسي بي سي>·

أن القرار مسيس، بدلالة التسريبات الإعلامية·

أن المحكمة غير عادلة، بدلالة التعديلات الأخيرة على قواعد الإجراء والإثبات·

أن القرار سيرتكز على <اتصالات زور>، (بعدما كان التركيز في السابق على ارتكازه على <شهود زور>)·

هل هذه الحجج متينة بما يكفي لرفض القرار الاتهامي قبل صدوره؟!

لنضع ?بدايةً- مسألة <الشهود الزور> جانباً، ليس لأن نصر الله لم يأت على ذكرها هذه المرة، رغم طول خطابه، وإنما لأنها أُشبعت تعليقاً وبحثاً، ولأن بلمار نفسه أكد أن الذين يعتبرونهم شهود زور ليسوا شهوداً لديه في الأساس (1/9/2010)·

القرار الاتهامي معروف!

يفترض <حزب الله> أن القرار الاتهامي بات معروفاً، ليس بمضمونه فحسب، وإنما بأدلته أيضاً!· وبناءً على ذلك، جاء موقف السيد نصر الله الأخير الداعي <لعدم إضاعة الوقت>، لكن نصر الله كأنه لم ينتبه إلى خطورة تصديقه -هو بنفسه- على كل ما نشرته: <ديرشبيغل، وفيغارو، وسي بي سي>، وإعطائه مصداقية لما نُشر، لأن نصر الله نفسه سبق له أن اتهم مجلة <دير شبيغل> الألمانية بـ <التآمر مع إسرائيل والغرب> وأن ما كتبته <ليس إلا مجرد اتهامات إسرائيلية وسنتعامل معها على هذا الأساس>· (خطاب بتاريخ 31/5/2009)، والأمر نفسه يقال عن <لو فيغارو> الفرنسية!·

وأكثر من ذلك؛ فقد رفع <حزب الله> دعوى قضائية، أمام القضاء اللبناني، على <دير شبيغل> ?وعدداً آخر من الصحف والمجالات- في حزيران من العام الجاري، متهماً دير شبيغل بالذات (في الدعوى التي قدمها) بـ <إثارة الفتن والتحريض والافتراء والقدح والذم والكذب واختلاق جرائم>!!· فكيف يطالب السيد نصر الله بعد ذلك اللبنانيين بتصديق هذا <الافتراء والاختلاق>، بل ويتحدى في صحته أيضاً!!·

من جهة أخرى، فإن دعوة نصر الله لقراءة القرار الاتهامي في هذه الوسائل الإعلامية الثلاث غير ممكنة، لأنها تقدم روايات متباينة، ولو أنها تتفق جميعها على اتهام <حزب الله> باغتيال الحريري، ونصر الله نفسه سبق له أن قال إن القرار الاتهامي <برأ سوريا واتهم حزب الله> (خطاب بتاريخ 22/7/2010)، في حين أن واحدة من الوسائل الإعلامية المذكورة على الأقل تتهم سوريا إلى جانب <حزب الله> في الجريمة، فأيهما نعتمد؟!

ثم أن تقرير سي بي سي أضاف اشتباهاً جديداً للمرة الأولى؛ فهل يقبل العقيد وسام الحسن، على سبيل المثال، التسليم بأن ما ورد في التقرير المذكور هو بالضبط ما سيصدر عن بلمار؟! بالتأكيد لا، والأرجح أنه سيرفع دعوى على الشبكة المذكورة، لكن بعد صدور القرار الاتهامي· غير أن الأخطر والأكثر حساسية من ذلك كله، أن <حزب الله> عندما يقول للبنانيين: صدّقوا بأن بلمار سيتهمنا، فإنه يعطي ?ويا للغرابة- للبنانيين ولعائلات الضحايا على وجه التحديد، الحق في الاستيثاق من صحة الاتهام المذكور، بعد كل هذه السنوات من الانتظار، وهذا الاستيثاق لا يكون إلا بعد صدور القرار الاتهامي، ولا يمكن لـ <حزب الله> ?والحال أنه متهم بإقراره على نفسه- أن يطلب من اللبنانيين وأهالي الضحايا رفض القرار الاتهامي مسبقاً بدعوى أنه مسيس!·

القرار مسيّس، بدلالة التسريبات الإعلامية

يقودنا هذا الواقع حكماً للحديث عن التسييس، بدلالة التسريبات الإعلامية، بمعنى أنه ?وفق منطق <حزب الله>- يجب اعتبار القرار الاتهامي مسيساً لأنه تسرب إلى الإعلام (على فرض صحة ما تسرّب)، مع أن هذا الربط والاستنتاج غير معقول، لأن مؤداه أن يفلت المجرم-أي مجرم- من العقاب، إذا استطاع الحصول على معلومات عن مجريات التحقيق، وقام بنشرها في الإعلام!·

في الواقع نحن في مسألة التسريبات أمام منهجين؛ أحدهما لا يمكن عقلاً القبول به· المنهج الأول يعتمده الرئيس سعد الحريري (ولي الدم كما يسميه <حزب الله>) ويقوم على أساس عدم تصديق أو تكذيب أو التعليق على ما يصدر عن القرار الاتهامي المرتقب، مع التمسك بالمحكمة· والمنهج الثاني يعتمده السيد حسن نصر الله ويقوم على أساس تصديق التسريبات، واتخاذها حجة لرفض المحكمة نفسها!·

لنقرّب الصورة أكثر باتخاذ الواقع العدلي في لبنان مثالاً؛ فهل ثمة تحقيق هام لدى جهاز أمني لا يتسرب شيء عنه إلى الإعلام؟ هل يعني ذلك اعتبار الإحالة إلى القضاء لاغية وأن ما صدر في الإعلام هو الحقيقة كما يطالبنا السيد نصر الله؟ ألم تنشر الصحافة تسريبات خطيرة تبين أنها غير صحيحة؟ ( ما نشرته السفير حول الموظف في مجال الاتصالات ميلاد عيد في 2/8/2010 على سبيل المثال) هل طالب أحد بالاعتماد على ذلك بإلغاء محاكمة أحد؟! أو الطعن في التحقيق نفسه؟ إنها سابقة حقاً أن يطالب أحد بإلغاء مسبق للاتهام والمحاكمة، بسبب صدور تسريبات عن وجهة التحقيق، حتى لو كانت التسريبات المنشورة صحيحة تماماً!·

إن الكلام السليم في موضوع التسريبات؛ أنها مؤامرة على المحكمة الدولية، وليس مؤامرة من المحكمة الدولية، لأن أول من يتأذى من هذه التسريبات التحقيق والمحكمة الدولية، ولهذا جاء تعليق بلمار على تقرير سي بي سي الأخير مليئاً بالانزعاج الظاهر· المحكمة غير عادلة، بدلالة التعديلات الأخيرة على قواعد الإجراء والإثبات

يقول السيد نصر الله يوم الأحد الماضي: <إذا كان هناك محكمة في العالم هي الأضعف والأوهن من الناحية القانونية والقضائية وإجراءات العدالة ومعايير تحقيق العدالة، فهي هذه المحكمة الدولية>· دلالة نصر الله على ما ساقه من نعوت بشأن المحكمة هو أن المحكمة عدلت مؤخراً قواعد الإجراءات والإثبات!·

وما لم يبينه السيد نصر الله للجمهور أن المحكمة قامت بذلك، وفق ما يتيحه لها نظامها الأساسي، والأهم أن هذا النظام بالذات لحظ منذ صدوره، أي عند إنشاء المحكمة، إمكانية اعتماد المحاكمات الغيابية، وليس كما جاء على لسان السيد نصر الله من أن الأمر سابقة وجديد·

وما ينبغي توضيحه في هذا المجال أيضاً؛ أن التعديلات الأخيرة جعلت إجراءات المحكمة أقرب إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني بالذات، وأن ما طرأ على التبليغات وإفادات الشهود يهدف أساساً، وقبل كل شيء، إلى تسريع عجلة التقاضي، وهو ما يستفيد منه فريق الادعاء كما كما فريق الدفاع، على السواء!·

وفي كل الأحوال، فإنه لا يمكن رفض محكمةٍ لأن تعديلاً أو أكثر طرأ على إجراءات التقاضي فيها، سيما أن المحاكمات لم تبدأ بعد، وأن التعديلات، وإن اجتهد البعض في توصيفها سياسياً، فإنها تبقى من الناحية القانونية سليمة تماماً·

إرتكاز القرار الاتهامي على <اتصالات الزور>

ملف <اتصالات الزور> هو الأحدث في مسيرة مواجهة المحكمة الدولية، فما يروّج له <حزب الله> اليوم أن القرار الاتهامي سيعتمد الاتصالات دليلاً وحيداً، وأن الاتصالات اللبنانية مخترقة، وأن العدو الإسرائيلي باستطاعته <إجراء مكالمة أو إرسال أي رسالة، منتحلاً الرقم المستنسخ، بحيث يظهر في البيانات أنَّ الشخص هو من يستعمل الهاتف، ويكون الإسرائيلي من قام بذلك··· وأنه يمكنه التلاعب بزمان ومكان حامل الهاتف، بحيث يتمكن العدو أن يظهره موجوداً في مكان بعيد عن مكان تواجد هذا الشخص، والأخطر أنه يستطيع أن يزرع في هاتفك رقماً آخر غير رقمك··· وأنه يستطيع التلاعب بالداتا>· ويخلص <حزب الله> من هذه الإثباتات التقنية <المكتشفة>، إلى نتيجة مفادها أن الأرقام الهاتفية (الشبكة الحمراء والشبكة الزرقاء) التي اكتشفها الشهيد وسام عيد، وتحدث عنها تقرير سي بي سي مؤخراً، لا علاقة لها بـ <حزب الله>، وإنما هي أرقام مفبركة من <إسرائيل> طالما أنه ثبت على وجه القطع أن الأمر ممكن وفق ما صرح السيد نصر الله يوم الأحد الماضي·

المفارقة التي لم ينتبه لها كثيرون ?ربما- في هذا الموضوع، أن السيد نصر الله (ومن قبله النائب عن <حزب الله> حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي) تحدث عن اختراق العدو لأرقام ثلاثة مقاومين، أي أن العدو زرع في خطوطهم شرائح أخرى، بحيث بدا أنهم يقومون باتصالات؛ لم يقوموا بها في الحقيقة، وقد توجه السيد نصر الله نفسه <بالتحية إلى الإخوة الفنيين في المقاومة، وإلى الضباط الفنيين في مديرية المخابرات، وكل التقنيين الفنيين في وزارة الاتصالات والهيئة الناظمة للاتصالات، على الإنجاز النوعي لاكتشافهم سر هذه التقنية المتطورة جداً> مضيفاً: <هذا اكتشاف لبناني··· وهناك الكثير من الناس في لبنان تم اعتقالهم واستدعاؤهم على قاعدة الاتصالات وتحليل الاتصالات، ووجهت إليهم تهم عمالة، ثم ثبت أنهم ليسوا عملاء، وإذا أحبوا نُظهر لهم لائحة>·

الكلام السابق يعني ?ببساطة شديدة- أن اختراق الاتصالات و>فبركتها> أمر ممكن، كما أن اكتشاف ذلك، أمر ممكن أيضاً، وأن لبنان رغم تواضع إمكاناته تمكن من اكتشاف ذلك، وبرّأ مشتبهاً بهم سبق أن حُقق معهم؛ فإذا كان المحققون في لبنان قادرين على اكتشاف الاختراق الهاتفي، أفلا يكون المحققون الدوليون الذين يعملون وفق أحدث وأعقد التقنيات قادرين على ذلك؟! وإن اعتبرنا أنهم قادرون ولم يفعلوا ?لأن التحقيق مسيس كما يُقال- أليس في قدرة فريق الدفاع ?الذي يتمتع بصلاحيات واسعة بالمناسبة- أن يثبت ذلك أمام المحكمة، ليترك القرار الاتهامي عارياً بلا أية مصداقية؟!

في الحقيقة، لقد كان يُغني <حزب الله> سلوك هذه الدعاية، التي يوغل فيها كل يوم، -بما يبعث على التعجب حقاً- وانتظار القرار الاتهامي، ومواجهته بالملفات والحجج والقرائن، وإذاك يكون دفاعه أقوى·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل