…. يجب أن نعترف بأن عالمنا العربي يعيش مأزق سوء فهم الديموقراطية، وأنظمتنا ترفع شعار الديموقراطية ولكنها في الوقت عينه تمنع ممارستها بشكل سليم، ونشهد انتخابات، ولكن، في الوقت عينه، يتم وضع النتائج، وربما قبل الاقتراع!
… ويجب الإقرار أيضاً أن لبنان هو الوحيد الذي تتم ممارسة الديموقراطية فيه بأسلوب حر وسليم، والانتخابات تجري من دون أي لبس، فيقترع المواطنون، وتكون صناديق الاقتراع هي الحكم، ولكن، في الوقت عينه، فإنه في أحايين كثيرة تمنع الاغلبية الفائزة من حقها في ممارسة الحكم، وهذا ما نشهده اليوم، إذ أن الاغلبية لا تحكم، والاقلية تفرض رأيها من خلال ترسانة "حزب الله" العسكرية.
… والمشهد الديموقراطي بصورة عامة في العالم العربي مثير فعلياً للاستغراب والاستهجان، إذ أن دولة كبيرة مثل مصر تشهد انتخابات برلمانية، ولكن، يتم منع المواطن من الاقتراع بحرية، ما يعني أن السلطة لا ترغب في التعددية، وهي مصرّة على الاستئثار بالحكم، وهذا أمر له ارتدادات سلبية على الصعد كافة، والمسألة على كل حال لا تتعلق بالسلطة، بل هناك الاحزاب أيضاً تخوض لعبتها من دون ضوابط، بل إن بعض الجهات رفعت ملصقات انتخابية تهاجم "الاخوان المسلمين"، وتحمل عبارات لا تتناسب أبداً مع الممارسة الديموقراطية، كملصق يقول "احتقر تاريخهم الاسود"، مرشد الاخوان قال في حوار صحافي "طز في مصر وابو مصر واللي في مصر".
هذا المنطق يعبّر عن أزمة فعلية في ممارسة الديموقراطية، ما يستدعي فعلياً القول، إن الانتخابات هي مجرد مشهد شكلي، وإن نتائجها غير صحيحة أبداً، ولو كانت غير ذلك لترك المواطنون يقترعون بحرية، فيتشكل مجلس الشعب من تعددية مطلوبة وضرورية، لان لا إشكالية على الاطلاق في أن يكون في المجلس نواب من الحزب الوطني الحاكم، والى جانبهم نواب من الاخوان المسلمين والناصريين والاحزاب الاخرى في مصر.
… نحن هنا لا نتهم أحداً، ولكن، هناك في مصر من يقول إنه جرى تزوير النتائج، وفي الوقت عينه هناك من ينفي ذلك، ويؤكد على نزاهة الانتخابات، وبمعزل عن حقيقة ما جرى ومن هو على حق، فإن شوائب ظهرت، وكانت واضحة أمام المراقبين، وهناك من المرشحين من استقوى بالسلطة، وهناك من تم استضعافهم، وقد شهدت الانتخابات أعمال عنف واحتجاجات في المحافظات أدت الى سقوط ثلاثة قتلى، وكل هذا يعكس مسألتين مهمتين، الاولى، ان السلطة لعبت دوراً في عدم السماح بفوز الاحزاب المنافسة، والمسألة الثانية، أن المواطن أيضاً يفتقد الى الوعي في ممارسة الديموقراطية.
…. قطعاً، إن المشهد الانتخابي في مصر ليس منفصلاً عن المشهد الديموقراطي في كل أنحاء العالم العربي، إذ أن الدول العربية تفتقر فعلياً الى الممارسة الديموقراطية، باستثناء لبنان، بالطبع، الذي تمرّس في الديموقراطية منذ اربعينيات القرن الماضي، والانتخابات التي تجري دائماً تعبّر فعلياً عن وعي ديموقراطي، فتأتي النتائج مرضية الى حد كبير.