كتب سمير صباغ في "النهار": لا يزال العديد من المؤسسات والادارات الرسمية يشترط على المواطنين استخدام اخراجات القيد الفردية الصادرة من دوائر النفوس في معظم المعاملات الادارية من دون غيرها من وثائق التعريف الشخصية، ومنها بطاقة الهوية. قد يكون لهذا الشرط مسوغاته القانونية، لكنه يولّد ضغطا كبيرا على دوائر النفوس التي تعاني نقصا في أعداد موظفيها، ما يتيح لـ"السماسرة" ابتزاز المواطنين من دون حسيب او رقيب!
"النهار" "سألت عن أسباب عدم تعميم بطاقة الهوية الشخصية كوثيقة وحيدة للتعريف الشخصي طالما أنها تتضمن المعلومات عينها الواردة في اخراجات القيد الفردية باستثناء المذهب، خصوصا بعد اصدار رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري تعميما يطالب "جميع الادارات والمؤسسات العامة والبلديات باعتماد بطاقة الهوية في المعاملات الادارية كافة". فما هي المعوقات التي تحول دون ذلك؟
شكل اصدار بطاقات الهوية الجديدة من دون تضمينها المذهب في زمن السلم الاهلي تحديا يحمل في طياته "فعلا مواطنيا"، سرعان ما أطاحه "تهميش" الهوية الجديدة التي تستخدم في شكل محدود في الادارات والمؤسسات الرسمية، عكس اخراج القيد الفردي، الى أن تم تفعيل استخدامها أخيرا وللمرة الاولى في الانتخابات النيابية والبلدية عام 2009 وهذه السنة 2010.
وفي هذا السياق، شدد وزير الداخلية السابق بشارة مرهج، والذي تابع مشروع قانون اصدار بطاقات الهوية من موقعه الاشتراعي يومها، على أن "الاستغناء عن اخراج القيد الفردي القابل للتزوير والتلف كان من ضمن سلة الاهداف التي دفعت مجلسي الوزراء والنواب الى درس مشروع اصدار بطاقات الهوية الجديدة منذ عام 1993"، لافتا الى ان "الهدف الاساسي لاستخدام الهوية في المؤسسات والادارات كان تسهيل معاملات المواطنين الذين كانوا يضطرون الى اصدار اخراج قيد فردي في كل معاملة رسمية، ما يرهقهم ويؤخر معاملاتهم. كما ان اصدار الهوية الجديدة من دون ذكر المذهب فيها يعد خطوة ديموقراطية متقدمة كان من المفترض ان تأخذنا في الاتجاه الصحيح، لكننا للأسف، رغم التأخر في اصدار بطاقات الهوية عجزنا عن استكمالها بخطوات لاحقة، حتى أننا لم نستعملها إلا أخيرا".
متى يمكن الاستغناء عن إخراج القيد؟
قد يكون تعميم بطاقات الهوية الجديدة بمعناه الواسع مرتبطا الى حد بعيد بتذليل صعوبات تطبيق ما نص عليه اتفاق الطائف بشأن آليات الغاء الطائفية السياسية، لكن المشكلة تكمن "بمعناه الضيق" المرتبط بتسهيل أمور المواطنين في المؤسسات والادارات الرسمية واحلاله بديلا من اخراجات القيد الفردية.
فما الذي يؤخر اعتماد بطاقات الهوية نموذجا موحدا لمعاملات المواطنين؟
يعتبر مرهج ان "اصدار اخراجات القيد الفردية لا مفر منه وفق بعض المراسيم والقوانين المعمول بها في الوزارات، لذلك لا يمكن الاستغناء عن دوره من دون اطلاق ورشة تحديث البنية الاشتراعية، لأن المرسوم لا يلغى الا بمرسوم، والقانون بقانون… الخ، فاذا كانت مراسيم وزارة التربية تحتم على التلميذ المتقدم الى الامتحانات الرسمية استخدام اخراج قيده الفردي للتعريف عن نفسه عند دخوله مركز الامتحانات، فهذا الاجراء لا يلغيه تعميم صادر من رئاسة مجلس الوزراء بل يتطلب مرسوما آخر".
ولا يستبعد مرهج في حديثه الى "النهار" احتمال ان تكون ضرورات ذكر المذهب قد حتمت الاستمرار في اصدار اخراجات القيد الفردية، لان "ذكر المذهب تقليد قائم، سببه النظام الطائفي الذي يراعي التوزيع الطائفي والمذهبي في الوظائف العامة، وان كان الامر غامضا بالنسبة الي، لان اتفاق الطائف نص فقط على توزيع متساو في الفئتين الاولى والثانية. لكن السلطة السياسية لا تزال تحافظ على هذا التوزيع اينما يكن، علما ان توفير شروط التساوى بات صعبا جدا ما بين عناصر القوى الامنية مثلا". سألنا مرهج: أليست البطاقة ممغنطة ويمكن تضمينها معلومات تظهر فقط في الملف الالكتروني؟ يجيب: "صحيح، البطاقة ممغنطة وتتيح الاستثمار الالكتروني للمعلومات، غير ان ادارات الدولة غير ممكننة. فكيف سنستغني عن اخراج القيد الفردي من دون مكننة الادارات وتحديث البنية الاشتراعية؟!
في المقابل، اكد مصدر في وزارة الداخلية والبلديات لـ "النهار" أن "الوزارة، وفي سياق حملتها لتشجيع المواطنين على اصدار بطاقات الهوية خلال الانتخابات، كانت تهدف الى معالجة مشكلة عدم امتلاك كثير من المواطنين لهذه البطاقات الشخصية فضلا عن رغبتها في تعميم استخدام بطاقات الهوية. فنحن نشجع استخدام المواطنين لبطاقات الهوية بدلا من اخراج القيد الفردي، لان ذلك سيخفف الضغط على دوائر النفوس التي تصدر شهريا آلاف النسخ منه".
وقال: "في الظاهر، لا تختلف معلومات اخراج القيد عن بطاقة الهوية الا في خانة المذهب، لكن الاخيرة يصعب تحديث معطياتها بسهولة لانها ممغنطة وتحتاج عند كل تعديل الى اصدار بطاقة جديدة، وهذا يتطلب وقتا ومتابعة من المواطن لتحديثها. اما اخراج القيد الذي تحدد مدة زمنية لصلاحيته فتكون المعلومات الواردة فيه حديثة في شكل دائم، مثال الصورة الشمسية والوضع العائلي وغيرهما". لكن، من المعروف أن تزوير اخراج القيد اسهل بكثير من بطاقة الهوية، يجيب المصدر بثقة مطلقة: "يصعب تزوير اخراج القيد في ظل التشدد الحاصل في دوائر النفوس، لذلك نؤكد ان تزويره شبه مستحيل". ثم تطرق الى تعميم رئاسة مجلس الوزراء رقم 21 قائلا: "ماذا يمكن لوزارتنا ان تفعل اذا كانت الادارات والمؤسسات التابعة لوزارات اخرى تطلب من المواطنين ضم اخراجات القيد الفردية في معاملاتهم لانجازها؟ المطلوب معالجة هذا الخلل اولا قبل السؤال عن اسباب الاستمرار في اصدار اخراجات القيد الفردية، علما ان شريحة واسعة من المواطنين لا تملك بطاقات هوية لانها لم تتقدم للحصول عليها اساسا، وبالتالي لا يمكن الحديث عن وقف اصدار اخراجات القيد الفردية الا ضمن مشروع متكامل يضمن بدائل مناسبة للمواطنين".
