كتبت رباب الحسن في صحيفة "اللواء": ينتظر اللبنانيون بقلق صدور القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في ظل تصاعد النقاش حول قانونية ودستورية المحكمة الدولية.
فبعد "فشل" اسقاط المحكمة من خلال ملف شهود الزور والتهديدات بانفلات الوضع الامني شرع الرافضون لهذه المحكمة وفي طليعتهم "حزب الله" وحلفاؤه للتخطيط لمرحلة جديدة، يتمكن خلالها هؤلاء من تعطيل عمل المحكمة، وبدأ ذلك فعلا مع اتخاذ المعارضة قرارا بمقاطعة طاولة الحوار تحت شعار"تأخير" البت بملف ما يسمى "بشهود الزور" على طاولة مجلس الوزراء، ليعقب ذلك تعطيل جلسات مجلس الوزراء الذي لا زال في اجازة قسرية في انتظار بلورة تسوية الـ"س-س".
واليوم ومع الكلام الأخير لأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله الحاسم في اعتبار "أن محكمة الحريري هي الأضعف والأوهن من الناحية القانونية وإجراءات ومعايير تحقيق العدالة، وأن لا علاقة لها بالمؤسسات الدستورية اللبنانية، بل هي قرار دولي صادر عن مجلس الأمن، والكل يعرف كيف نوقش موضوع المحكمة وهُرّب"… يتضح أن السيناريو الجديد لمواجهة المحكمة سيرتكز على هذه المسألة أي"دستورية" المحكمة لاسيما في ظل الحديث عن افكار يجري تداولها ومنها،اعطاء مجلس النواب موقفاً من موضوع المحكمة الدولية يتضمن الإشارة الى عدم انشائها بشكل دستوري بسبب عدم تصديق المجلس النيابي آنذاك عليها، وكذلك عدم موافقة رئيس الجمهورية أيضاً عليها"،او ان يصار الى سحب القاضيين اللبنانيين العضوين في المحكمة.
المحكمة ثابت لا يمكن تغييره
وفي انتظار الخطوات التي ستنتهجها المعارضة والتي لا زالت قيد التداول يختصر أحد وزراء اللقاء الديمقراطي وضع المحكمة الدولية بالقول: "هي جواد يجري في مضمار لا سيطرة لأحد عليه".
ويؤكد على هذا القول النقيب الاسبق لمحامي الشمال رشيد درباس الذي أوضح لـ"للواء" أن ما يحصل اليوم من كلام في "الدستور" و"فقه الدستور" لا يمت للدستور والقانون بصلة "بل من يتحدثون بالدستور هاجسهم أن يكون كلامهم مطابقا للقانون لأنهم يعتبرون القانون وسيلة يمكنهم استخدامها ولكن للأسف فان الاستعمال كان فاشلاً وسيئاً ".
اما فيما خص المحكمة الدولية فيؤكد درباس انها محكمة شرعية ليس فقط من وجهة نظر القانون الدولي باعتبارها تأسست بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع، وإنما هي قانونية ودستورية بالمفهوم الشرعي اللبناني على اعتبار أن تأسيسها جاء مطابقا لنصوص الدستور اللبناني خلافا لما يتم تسويقه من قبل المعارضين لها.
ويشير الى أنه لو اجتمع المجلس النيابي في حينه وتمت الاتفاقية وفقا لما هو معمول به ووقع لبنان كدولة مع هيئة الامم المتحدة ووقع رئيس الجمهورية في حينه على الاتفاق لكانت عندها الدولة اللبنانية طرفا في هذه المحكمة باعتبارها فريقا في عقد.
وقال: الآن هذا العقد لم يعد موجودا،وحل محله القرار الدولي 1757 الذي صدر تحت الفصل السابع والذي هو بالنسبة للدستور اللبناني قرار ملزم للبنان،الامر الذي يعني أن لا محل الآن في الدستور اللبناني لفحص دستوريتها لأن المكان والجهة غير صالحتين.
واعتبر أن عدم إقرار قانون إنشاء المحكمة في مجلس النواب اللبناني لا يعني أنه ليس دستوريا، فنتيجة لتعذر اقرارها في المجلس النيابي دفع الى اقرار انشائها في الامم المتحدة تحت الفصل السابع،وحل القرار الدولي نتيجة ذلك محل مجلس النواب وتوقيع رئيس الجمهورية.
ويخلص درباس الى أن المحكمة الدولية تستمد دستوريتها من أمرين:
فهو اولا يرى ان السياسيين اللبنانيين الذين يعتبرون تأسيس المحكمة غير دستوري يقعون من حيث يدرون او لا يدرون في خطأ كبير لأن المحكمة تقوم على نظام تأسيسها الذي أقره القرار 1757 كجزء من القرار، وليس على اساس مشروع الاتفاق الذي تم التوصل اليه في المفاوضات بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة والذي لم يقره مجلس النواب.
وثانيها أن الحكومات المتعاقبة في لبنان منذ بدء المحكمة عملها حصلت على ثقة مجلس النواب بناء على البيان الوزاري الذي أكد الالتزام بالمحكمة الدولية، وعليه تكون المحكمة قد استمدت شرعيتها من هذا البيان الذي تضمن بندا خاصا عن المحكمة الدولية وتمويلها الامر الذي يشرعن وجودها،ويجعلها مقرة في مجلس النواب.
ويوضح ضمن هذا الاطار أن تمويل المحكمة أقر أكثر من مرة في مجلس الوزراء في حضور رئيس الجمهورية من دون حصول اي اعتراض من قبل اي فريق سياسي.
دستورية المحكمة
وعليه يقول درباس "عندما تحصل كل هذه الامور لا يمكن عندها القول بعدم دستورية المحكمة تحت حجة عدم التوقيع عليها من قبل رئيس الجمهورية ،معتبرا أن ذلك لا يستقيم قانونا للأسباب التالية:
اولا: ان القرار الدولي قد حل محل توقيع الدولة اللبنانية.
ثانيا: صدور القرار الدولي جاء عند تعذر الحصول على موافقة مجلس النواب،وهو ما ورد صراحة في نص القرار الذي اشار صراحة الى ذلك عندما أقر قيام المحكمة ونظامها التأسيسي وترك فترة سماح للدولة اللبنانية كي تقر قانون تأسيسها وفقا لآلياتها الدستورية، حتى إذا انقضت هذه الفترة من دون قيام المؤسسات الدستورية اللبنانية بما عليها في هذا المجال، دخل قيام المحكمة حيز التنفيذ وفقا للنظام المرفق بالقرار 1757.
ومما جاء في النص:"إن مجلس الأمن يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ويقرر: (أ) ان يبدأ سريان احكام الوثيقة المرفقة المتعلقة بانشاء محكمة خاصة للبنان، بما في ذلك الضميمة الملحقة بها، اعتباراً من 10 حزيران 2007، ما لم تقدم حكومة لبنان قبل ذلك التاريخ إخطاراً بموجب المادة 19 (1) من الوثيقة المرفقة".
وطالما أن القرار 1757 أقر بتاريخ 30 ايار 2007 فذلك يعني أن المجلس ترك لمجلس النواب اللبناني فرصة عشرة أيام ليصوت على إقرار إنشاء المحكمة بقانون، حتى إذا لم يقدم على ذلك دخل نص نظام تأسيس المحكمة حيز التنفيذ بموجب قرار مجلس الأمن تحت الفصل السابع.
ثالثا:عند تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة انضم اليها جميع الفرقاء ووافقوا جميعا على بند المحكمة الدولية.
رابعا: حصلت هذه الحكومة(برئاسة السنيورة) والحكومة التي تلتها (برئاسة الحريري) على ثقة مجلس النواب وفقا للبيان الوزاري الذي تضمن نصا واضحا حول المحكمة الدولية .
وخلص درباس الى أن القرار الدولي لا ينتظر مصادقة الدولة المعنية ،كما أن لبنان ملزم بموجب الفصل السابع بتشكيلة المحكمة كما هي.
ووضع درباس أن ما يجري طرحه اليوم من تقييم دستوري لوضع المحكمة هو كلام في السياسة وليس في القانون وقال: في السابق اتخذ الرئيس نبيه بري موقفا جريئا عندما دعا للتفريق بين القرار الاتهامي وبين المحكمة،اما مسألة البحث الدستوري حتى وإن تمت فلن يكون لها أي تأثير على عمل المحكمة ولا يعطل مفاعيلها.
وقال: فلنفكر في عقل كيف ندفع اللبنانيين للبحث عن حل من خارج هذا الاطار القانوني،وعندما تكون هناك مشكلة سياسية فمن واجب السياسيين ايجاد حل سياسي لها، أما اذا تهربوا من إجتراح هذا الحل ورحّلوا المعضلة الى القانون والقضاء فإنهم لن يجدوا ضالتهم لا لدى القانون ولا لدى القضاء بل هم سيسيئون الى القانون والى القضاء.
وعن إمكانية سحب القضاة اللبنانيين من المحكمة وفق ما تطرحه بعض الاوساط أكد درباس أن هؤلاء القضاة قضاة دوليين وتابعين للقضاء الدولي ومرتبطين بعقد مع الامم المتحدة، وعليه فان قرار الحكومة اللبنانية لا يلزمهم بالعودة، انما في حال انسحابهم بقرار شخصي منهم فعندها على مجلس الامن الدولي اما تعيين قضاة لبنانيين جدد مكانهم وفقا للآلية المعتمدة،اما اذا تعذر ذلك فعليه عندها تعديل نظام المحكمة وتصبح محكمة دولية خاصة لا يعود للبنان أي تواجد فيها.
ويتساءل درباس ضمن هذا الإطار،هل من مصلحة لبنان الا يكون لديه أي تأثير في عمل المحكمة أو وجود،لافتا الى وجود من يدفع باتجاه جعل المحكمة دولية خالصة، مؤكدا أن ذلك كله لن يوقف عمل المحكمة أو يمكّن من الطعن في مصداقيتها <فقرقعة الطناجر والصحون في بلادنا لا تعكر مصداقية المحكمة ،بل وحده المجتمع الدولي الذي يؤثر فيها وحركة المحكمة نفسها اذا شذت عن الاصول المتبعة ،مؤكدا ان المحكمة تتبع اعلى معايير حقوق الانسان وفيها تسهيلات غير موجودة ولا في أي محكمة أخرى، معتبرا أن كل الكلام الذي يطال المحكمة سياسي وعنوانه الوحيد في لبنان ولا يصل الى أي مكان في الخارج ،ما يجري من صراخ وعويل وتشنج وتهويل وتخويف وضجيج وتعطيل للمؤسسات في لبنان لن يوصل الى أي نتيجة،داعيا أصحاب الشأن الى البحث عن تسوية كما دعا أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير.