#adsense

“ويكيليكس”… انهيار الازدواجية !

حجم الخط

قد لا يكون مبالغة وغلواً في التقديرات ان اعتبرت "عاصفة ويكيليكس" بعد اسابيع قليلة الحدث الاول العالمي في السنة 2010 المشارفة نهايتها. وما يعنينا، نحن في لبنان، من هذه العاصفة لا يتصل فقط بالمشاهدة كأننا على قارعة الطريق بل ايضا لاننا على جاري عاداتنا وعادات الآخرين المجهولين والمعلومين حيالنا جربنا ظاهرة مماثلة مصغرة لهذه العاصفة قبل ان يذوق طعمها معظم العالم. فما اودى بأزمتنا الراهنة الى حد التضخيم الاستباقي لم يكن مستندا الا الى التسريبات المنهجية حول التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ولا داعي للتبحر اكثر في ابراز نقاط المقارنة بين مفاعيل التسريبات في حدث عالمي وحدث لبناني.

من وحي هذا "التقاطع" في ذاكرة لبنانية بالكاد تلتقط انفاسها للالتفات الى ما احدثته "عاصفة ويكيليكس" وحتى سواها من الاحداث الدولية الاخرى، تبدو نقطة الاثارة القصوى في هذا الحدث غير المسبوق هي انه مزق شر تمزيق النظام العالمي للسرية الديبلوماسية الذي يضاهي بأهميته وخطورته نظام السرية العسكرية والاستخباراتية للدول. وبعد هذه العاصفة القضائية التي مدها "مجهولون" في الكواليس الاميركية بأضخم ارشيف للاسرار في العالم، بات هذا العالم مكشوفا وعاريا تماما من ورقة التين – حتى لو تبدى بعد حين ان هناك "مؤامرة" مدبرة من اميركا على اميركا وسواها من الدول ولا سيما منها الدول العربية والخليجية.

بازاء ذلك، لنترك الامر الى "خبرائه" الدوليين، ونتساءل: امام هذا الانكشاف للديبلوماسية امام الصحافة الالكترونية التي اضحت وسيلة مرعبة مسلطة على المتلقي، حاكما كان أم محكوماً ووسيلة استخدام استخباراتي من الدرجة الاولى "الممتازة"، ماذا تعني عاصفة ويكيليكس بأبسط المعايير والمفاهيم الانسانية والشعبية العادية؟

انها ببساطة دليل على انهيار الازدواجية في السياسات على يد التكنولوجيا لا اكثر ولا اقل. قد تكون هذه العاصفة اضخم حدث تجسسي عرفه العالم القديم والحديث سواء بسواء. وقد تتكشف تباعا عن افدح الاضرار في النظام العالمي مع نصب الافخاخ للدول في مناصبة بعضها للبعض الآخر بمزيد من الازمات الدولية.

ومع ذلك ترانا نتساءل في لبنان، امام مفاعيلها، ماذا لو انهارت عندنا حجب الاسرار عن الجميع وهوت اوراق التين عن سائر القوى المتحكمة بمصيرنا؟ ماذا لو انهارت الازدواجية القاتلة بشقها الاقليمي والداخلي التي استرهنت لبنان منذ عقود ولا تزال تسترهنه وتستتبعه بالدم والنار والسياسة سواء بسواء وتحجر عليه وطنا نصف مذبوح بصفة دائمة؟

لنتخيل عاصفة فضائحية لبنانية مماثلة وصافية لا مكان فيها للمؤامرات، بل فقط مجرد تعرية متجردة للاسرار منذ عام 1969 لا 1975 فحسب، اي منذ دُقّ المسمار الاول في هيكل الدولة، ولا ترانا نبالغ ان توقعنا يوماً سيأتي لتفجير هذا "المستودع الشيطاني" بحق. سيكون ذلك يوم محكمة المحاكم، بلا صفة دولية او محلية، لان حصيلته الافتراضية تعني رأساً انهيار الازدواجية والباطنية التي دمرت لبنان على يد الباطنيين الخارجيين وبالاستناد الى لعبة الموت التي اسلس القياد لها اللبنانيون المتعاقبون على منح كل خارج هذا الامتياز. ثم ان انهيار الازدواجية عن المشهد الداخلي نفسه سيكون هو بذاته الزلزال الذي لن تبقى معه وجوه وسطوات وهيبات ومهابات الا وتذهب الى اسوأ المصائر. ولعل "عدالة" كهذه هي اشبه بالديكتاتوريات الشمولية في احدى جوانبها لانها تزعزع ركائز واقع قائم من دون ضمان واقع افضل مكانه. وقد تكون اقرب الى ثورات تهديم وتقويض عارمة. لكن عاصفة ويكيليكس توفر في المقابل الانذار المبكر السريع للسياسات الهدامة في ازدواجيتها، حتى لو لم تكن دوافع هذه العاصفة في اي وجه من النوع "الاخلاقي" ولا كان هدفها اصلاح العالم حتماً بل زعزعة الكثير من انحائه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل