من رياض الصلح الى انطوان غانم
السبيل الى وقف إدارة لبنان بالاغتيالات
"لحماية الثورة لا بد من أجهزة قمع وبوليس سري وأمن الثورة والمحاكم الثورية".
ستالين
العنف الثوري
في لقاء سياسي في مركز عصام فارس منذ بضعة أسابيع كانت قضية المحكمة الدولية موضع النقاش، وعندما بدأ الحديث عن ان هدف المحكمة هو وضع حد للاغتيال السياسي في لبنان، انبرى أحد كبار الصحافيين المنتمين الى قوى 8 آذار الى القول ان مسألة الاغتيال السياسي هي امر عادي ومستمر على مدى التاريخ، وسوف يستمر في لبنان "بمحكمة او بدون محكمة".
ولم يحاول هذا الصحافي في أي لحظة من اللحظات الدفاع عن الجهة المتهمة افتراضياً والتي هو يمثلها. والواقع هو ان ما يحاول "ثوريو" الثامن من آذار اقناعنا به، هو أن قضية الاغتيال السياسي هي مسألة عادية وروتينية في حياة الشعوب، لا بل قد تكون مسألة مستحبة ومرغوبة ويجب التشجيع عليها لأنها قد تكون الوسيلة الأسرع والأنجع لتغيير المعادلات السياسية في بلد ما بدلاً من اللجوء الى "الاجراءات" البطيئة وغير المضمونة كالعملية الديموقراطية وانتظار انتهاء فترة الولاية الدستورية للسعي الى التغيير.
ويكفي في هذا السياق، وبحسب التجارب السابقة، ان تنعت الضحية بصفات العمالة والرجعية والتآمر وغيرها من تعابير الكتب الخشبية التي تعرفها منطقتنا، وقد ذهب ضحيتها الآلاف من المعارضين السياسيين قتلاً وسجناً وتهجيراً. اذن فهذا يعني ان "المسوغات الأخلاقية" للقتل حاضرة دائماً وتدخل أصلاً في صلب التربية الثورية والعقائدية لهؤلاء الثوريين. لذلك، نادراً ما يشعر القاتل بالتردد او الندم على فعلته، لانه يعتبر ان خدمة العقيدة واستمرار الثورة هي هدف سامٍ، وبعض الأحيان، الهي، مما يجعل التضحيات البشرية مسألة سهلة وتفصيلية.
الاغتيال السياسي
بنظرة سريعة الى منطق العملية السياسية في منطقتنا، نلاحظ ان مبدأ العنف الثوري والعدالة الثورية ومحاكم الثورة واستمرار حالة الطوارئ، هو ما تحكّم بالمسار السياسي ومنع بالتالي التطور الطبيعي الى مرحلة تداول السلطات في شكل دستوري أو ديموقراطي.
أما في لبنان، فقد كان الوضع مختلفاً لعوامل متعددة، قد تكون من ضمنها مسألة التعددية الدينية والمذهبية والتي وضعت هذا البلد في موضع مختلف عن الأنظمة المحيطة به، ولكن، ومع ذلك، فقد تمت الاستعاضة عن الادارات الشمولية والمنطق الثوري في الادارة السياسية بمنطق تسيير وادارة العملية السياسية من خلال الاغتيالات. وابتداء باغتيال الرئيس رياض الصلح منذ نصف قرن ونيف الى الآن، يمكن التأكيد على ان هذه السياسة اصبحت نهجاً مستمراً لادارة الملفات في لبنان، ويكفي مراجعة لائحة الاغتيالات الطويلة التي طالت رئيسي جمهورية وثلاثة رؤساء وزراء والعشرات من السياسيين والنواب والوزراء وأصحاب الرأي ورجال الدين والصحافيين، وبالتالي تحليل ما أدت اليه هذه الاغتيالات من تبعات وأعمال عنف، ويكفي ان نذكر ان حربي 58 و75 الأهليتين وقد سبقتهما عملية اغتيال لشخصية عامة. وحتى خلال دخول لبنان في مرحلة الشمولية السياسية والأمنية بدخول قوات الردع العربية سنة 1976، استمرت عمليات الاغتيال وكأنها الوسيلة الوحيدة للتعامل مع اللبنانيين.
ولو راجعنا سبل التعامل مع هذه السلسلة الطويلة من الاغتيالات، لظهر جلياً ان العدالة كانت الغائب الدائم عن الساحة، وفي كثير من الأحيان كان التجاهل سيّد الموقف، أو اتهام العدو الاسرائيلي بالجريمة، واحياناً أخرى رمي العملية على "المؤامرات الخبيثة"، من دون تحديد مديرها.
والأنكى من كل ذلك، هو انه في معظم الأحيان كان القاتل يسير في الجنازة ويشارك في جلسات العزاء، لا بل قد يكون أكثر الباكين على فقدان "الشهيد الوطني".
هذا هو ما كان مطلوباً حصوله بعد اغتيال رفيق الحريري، ان يسمّى بالشهيد الكبير وان يشارك الجميع في مراسم التعزية، وبعد ايام يعود كل شيء كما كان. ولكن وعلى عكس كل ما قيل عن مؤامرة دولية، فان ما غيّر المعادلة يومها هو يوم 14 آذار الذي أكد ولأول مرة اصرار اللبنانيين على العدالة والحقيقة، ولم يُخفهم استمرار المسلسل الارهابي من بعدها والذي طال العشرات من السياسيين والعسكريين والمواطنين لأن الكيل قد طفح وأتى وقت كسر الحلقة المفرغة من الادارة السياسية عن طريق الارهاب.
صحيح ان المحكمة قد تؤدي على المدى القريب الى زيادة حدة التشنج السياسي، ولكن غياب العدالة في اي مجتمع سيؤدي الى تمادي القاتل في سياسته التي يعتبرها ناجحة لأنه تمكن من التفلت من العقاب في كل مرة وبقي مسلسل الجرائم معلقاً لحساب "المؤامرة الصهيونية".
