كتب طوني فرنجية في "النهار": التفاح ازهر، وبراعم الاجاص تفتحت، واغصان الدوالي اورقت، والتينة اثمرت، والاخضر في الاشجار المتساقطة يزال عالقا بالاغصان، تماما كما هو المشهد الربيعي في كل الحقول ساحلا وجرداً. حتى ان ازاهير البراري تفتحت. ليس المنظر حكراً على منطقة من دون اخرى، فالتغيرات المناخية التي نعيشها تجعل كل واحد منا يطرح السؤال: أنحن في الخريف ام في الصيف ام في الربيع؟
اذا ردّدنا ما تعلمناه في المدرسة خلال دروس الجغرافيا، فاننا الآن في فصل الخريف. وفي الخريف يميل الطقس الى الصقيع، والهواء كذلك، وتتساقط الامطار. ولكن اين نحن من كل ذلك؟ هو في كوكب ونحن في كوكب آخر… خريفنا اليوم شمسه حارقة، هواؤه ناشف حار، واشجاره تعد بمواسم جديدة في غير أوانها. صحيح ان المشهد يتمايز بعض الشيء ما بين حقل وآخر، اذ ان من سارع من المزارعين الى التقليم باكراً كعادتهم كل سنة لجني المواسم خوفاً من ان يدهمهم الشتاء سنة، فانه بات امام مشكلة جديدة، إذ إن البراعم الموعودة للسنة المقبلة والتي ستعطي الثمار تفتحت، فيما ازهرت الاغصان في التفاح والاجاص، و"العقاد" آت حتما، وكذلك حال الدوالي والتين في الجرود، كما عاد الاخضر النضر الى الظهور مجدداً. اما الحقول التي تنبه اصحابها "للشلهوبة" وأحجموا عن التقليم وعن تحضير الارض للشتاء، فانها لا تزال على ما كانت بعد القطاف، ولم يسجل فيها اي ظواهر ربيعية او صيفية.
سنة كساد المواسم
واقع حال الجرود والحقول وبراعم اشجارها المثمرة المتفتحة، اصاب المزارعين بالذعر، وخصوصا ان اعمال التقليم المتسرعة ادت الى ظهور بعض اليباس في الاغصان التي تم القطع منها، ما يعني ان الشجرة مقبلة على "الفطام" ولن تنمو فيها اغصان جديدة طرية لدنة. كما ان ظهور الزهر وتفتح البراعم سينعكس سلبا جدا على مواسم السنة المقبلة، فما تفتّح قد تفتح، وكل عام وانتم بخير وتصبحون على سنة "عجاف" جديدة او سنة كساد في المواسم، والله وحده يعلم ما سيكون عليه مصير الاشجار في ظل استمرار الشحائح في المياه، وخصوصا ان الامطار لا تزال حبيسة ولا قطرة ماء واحدة رفدت الخزان الجوفي، والوضع الزراعي ساحلا ليس بأفضل حالاً منه جردا. فالزيتون احترق على امه جراء ارتفاع درجات الحرارة، وغابت ورش القطاف عن الحقول لأن كمية الزيت في "الحبة" ضئيلة والزيت الذي يستخرج بعد العصر ليس من النوع الجيد جدا لأنه يتضمن "الأسيد" بكميات كبيرة، اذ ان "الحبة" لم ترتو كفاية فجاء زيتها حادا، ولهذا بات الزيتون مرمياً على الطرق وفي الحقول اسود اللون، قد احترقت حباته بعدما غاب الاخضرار عنه لأن الشمس احرقته، واذا ما وجد بعض "الخضير" فحيث البيوت والليمون وحيث تروى الاراضي بالمياه في فصل الصيف.
اما التين، فأورقت اغصانه جردا واثمر ساحلا، وحملت الاغصان الثمار في انتظار القطاف للمرة الثانية بعد اولى سبقتها صيفا. والليمون ازهر، وبعضه لا يزال اخضر ولم تتحول ثماره برتقالية اللون لأنها تحتاج الى الشتاء والماء. ولأن الوقت لم يحن لنضوج الثمار بعد، اذا بالبراعم والاغصان النضرة والازاهير، وإذا بالنحل يجني العسل وكأننا في عز الربيع او الصيف، وما يقال عن الاشجار والاصناف التي ذكرناها يقال واكثر عن مثيلات لها في الساحل والجرد، وكذلك الحال بالنسبة الى الزهر البري ومنه "بخور مريم" الذي غالبا ما كان الاولاد يقصدون البراري ليقطفوه ويزينوا به الاكاليل والصلبان التي يحملونها الى الكنائس يوم الجمعة العظيمة، او يزينون به المذابح التي يقيمونها عادة في شهر ايار للعذراء مريم.
غضب إلهي أم تغيرات مناخية؟
اصناف عدة من براعم الاشجار الصيفية المثمرة تفتحت قبل اوانها. انه "غضب الله" كما قال احد المعمرين، الذي اشار الى "ان الله اذا غضب على قوم جعل صيفهم شتاء وشتاءهم صيفا". فهل نحن حقيقة وواقعا امام غضب الهي، ام انها تغييرات طقسية ومناخية داهمتنا قبل ان نكون مستعدين لاستقبالها بعدة مناسبة لها".
لا جواب عند المزارعين عما يحصل، لكنهم يلومون الادارات المعنية في الزارعة ومراكز البحوث الزراعية ويقولون: الارشاد الزراعي والتوجيه ضروريان في مثل هذه الحالات المناخية التي نعيشها، فعلى سبيل المثال: نصح اخيرا القيمون على مصلحة الابحاث الزراعية في البقاع المواطنين عبر وسائل الاعلام بوقف اعمال التقليم في الدوالي والاشجار المثمرة لأن الحرارة المرتفعة تؤثر عليها، فلماذا لا تعمم مثل هذه الارشادات؟ ولماذا لا تصدر وزارة الزراعة عبر مراكز البحوث الرزاعية نشرات توجيهية في هذا الشأن وقبل الوقوع في المحظور والوصول الى ما وصلنا اليه؟
يضيف المزارعون: ألم يكن افضل لو ان مراكز البحوث الزراعية قد اصدرت نشرات توجيهية وعملت على توعية المزارعين من أخطار شهر تشرين الاول وتأثيرها على الاشجار والمواسم؟
ثم لماذا تنبهت شركات خاصة لما يحصل وللتغيرات المناخية، وبدأت البحث عن بذور لأعشاب "الغازون" تتحمل حرارة الطقس اكثر من البذور التي تباع حاليا في الاسواق اللبنانية؟ وقد تلقت الشركات نصائح من المهندسين الزراعيين العاملين فيها بضرورة التنبه لارتفاع درجات الحرارة في لبنان وبالتالي ضرورة البحث عن اعشاب ونباتات تستطيع تحمل درجات حرارة مرتفعة وأشعة الشمس الحارقة، وهي بدأت عملها منذ اكثر من عام، وبات من يقصدها لزراعة تجميلية في حديقة منزله ينتظر بناء لنصائحها وصول الاصناف الجديدة، من دون ان تكبده هذه الشركات اكلاف بذور او شتول لن تعمر طويلا.
نصائح للمزارعين
انه لبنان، الخاص، فيه افضل من العام، علما او زراعة او وظيفة او… ولكن العام في كل البلدان هو الافضل من الخاص، فما العمل؟
صحيح ان تقلبات الطقس لا يمكن السيطرة عليها، لكن في الامكان تفادي آثارها السلبية على المزروعات الجردية والساحلية، كما يقول احد المهندسين الزراعيين، ويضيف: "ان الجفاف يزداد، وما نشهده حاليا غير مسبوق ابدا، ولهذا ننصح بالري".
المزارعون ساحلا سمعوا – او سمع بعضهم – النصيحة على الاقل، ذهبوا الى الحقول لري المزروعات، لكن المفاجأة كانت اكبر: شح المياه وملوحتها، خصوصا في الآبار القريبة من البحر، وانحباس يهدد الخضر والمزروعات الشتوية كلها، كالملفوف والخس والسبانخ وحتى القمح والشعير، واما في الجرد، فان بعضهم اعرض عن الاهتمام بالحقول، بسبب تقلب المواسم، ولأنه لم يكن بمقدورهم ري التفاح والاجاص ابان الموسم، ناهيك بان "الحر" يتسبب بتكاثر الحشرات وانتشار الآفات الزراعية، فيما يقول مزارعو الحمضيات انهم بدأوا يلاحظون نوعا من العفن في الاوراق والثمار، ولاحظوا ايضا ذبول الاوراق والحبات قبل موعد القطاف.
ونصح المزارعين بضرورة تغيير سلوكهم الزراعي لمواكبة التغيرات المناخية والتخفيف من حجم الخسائر المتوقعة، وبعدم رش السماد الكيميائي في حقول الزيتون في انتظار الشتوة الاولى، وابداله بالسماد العضوي الذي يزيد من قدرة التربة على حفظ المياه.
نصائح يجب ترجمتها لكنها مكلفة، والدعم الزراعي غائب والارشاد ايضا، لذلك لم يبق امام المزارعين وعائلاتهم الا صلوات الاستسقاء، صلوات كانت تثمر في الزمن الغابر، فيستجيب الله لعباده وتهطل الامطار. وبالفعل فقد بدأ المؤمنون يقيمون صلوات الاستسقاء علّ الله يمنّ عليهم بمطر يحيي الزرع ويعيد الحياة الى قلوب المزارعين.